عن ضجيج اللحظة
عندما تفقد الكلمات معناها أو هكذا يبدو ويتعب الكلام من الكلام في شرح المشروح أو إعادة التذكير ببعض من أجزاء التاريخ الحديث، عند كل ذلك يلملم بعضك بعضاً وترحل صوب الأرض التي تعرف أنها ستحتضنك وستستقبلك بحضنها الدافئ.
في زمن تبهرك فيه الأحداث عندما كنت تتصور أنه لا مساحة بقيت لإبهار أو انهيار أكبر، تعود ليناديك صوت نيلها وضجيج شوارعها وطرقاتها وأصوات أغاني المهرجانات أو أم كلثوم لبعض «الذويقة»، تختلط الأصوات القادمة من مكبرات الصوت في القوارب الشراعية أو المراكب الصغيرة أما الفلوكة فهي الأكثر استمالة للاستماع لصوت الماء الملامس لحوافها في هدوء وسط الضجيج. كلها سابحة فيما يشبه المهرجان المفتوح الدائم.
ترحل في شوق فتستقبلك المدينة بما تركتها عليه باستثناء بعض التغيرات هنا وهناك طبعاً، فالقاهرة هي من خلقت مفهوم الاستدامة ربما في ذهن كثير من أبناء الخليج خاصة منهم من عرفها في مراحل ما قبل السبعينيات. هناك لهذه المدينة رائحة خاصة وتفاصيل لا تستطيع إلا أن تحبها حتى ولو بدت تتغير وأصابها بعض ما يصيب المدن الكبرى من تحولات وغيرها.
وربما السر ليس في المدينة وحدها، بل في أهلها. في أم علي التي تدير حركة السيارات في وسط البلد وكأنها تحفظ نبض المكان، وفي عم أحمد الذي ما زال يقود سيارته الأجرة برضا السنين، وفي فتحية التي تبيع الورد وتبتسم لمن يعود. يقول صديقي المصري: «المصريون لا ينسون من يحبون». وهذه ليست مجرد عبارة عابرة، بل وصف دقيق لشعب يحفظ الود كما يحفظ الألم.
أول وصولك إلى القاهرة تحتضنك المدينة وكأنكما تفارقتما بالأمس، شيء يشبه العشق المعتق في زنبقها. هناك كثير من التغييرات حتماً وطبعاً وليس كلها تنال إعجاب البعض، خاصة ما يحول هذه الأرض التي شهدت تراكم حضارات إلى ما يشبه المدن الأسمنتية بيافطات النيون التي تبهر البصر.
لم يكن هذا فقط ما جعل هذه الرحلة مختلفة، بل هي التساؤلات من أهل مصر عن أهل الخليج والهجمات والانتقادات والعتاب سمها ما شئت، ولكنها خلقت بعض ضجيج مفتعل على وسائل التواصل. يتساءل المصريون: لماذا هذا الهجوم الخليجي على مصر؟ ولماذا يُطلب من المصريين في كل مرة أن يثبتوا ما هو ثابت أصلاً؟
الحقيقة أن المصريين لم يكونوا يوماً دعاة حرب أو خراب، لكنهم يعرفون جيداً معنى الحرب، لأنهم دفعوا أثمانها باهظة. من 1948 إلى 1956، إلى نكسة 1967، وحرب الاستنزاف، ثم أكتوبر 1973، مروراً بجرح بحر البقر وآلام السويس، بقيت ذاكرتهم مثقلة بندوب المشروع الصهيوني، ولذلك يصعب اختزال مواقفهم أو المزايدة عليها.
أما كل هذا الضجيج الموسمي الذي صنعته بعض الأصوات الإعلامية الخليجية، فلا يعكس سوى عتب محدود أو سوء تقدير أو خوف عابر. يظل مجرد فقاعة صغيرة في زمن مرتبك، لا تستطيع أن تغيّر حقيقة أعمق: أن ما يجمع الشعوب أكبر دائماً من كل الضوضاء التي تحاول التفريق بينها.
* يُنَشر بالتزامن مع الشروق المصرية