وجهة نظر: مضيق هرمز... كلفة التعطّل وفرص التكيّف!

نشر في 18-05-2026
آخر تحديث 17-05-2026 | 18:19
 د. عبدالسميع بهبهاني

أهمية مضيق هرمز

يمثّل مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد الإقليمي والعالمي، ولا تقتصر أهميته على كونه ممراً للطاقة فحسب، بل تمتد لتشمل تدفقات التجارة الاستهلاكية والغذائية. 

فمن المنظور الاقتصادي، تُقدَّر الخسائر المباشرة لتعطل تدفقات النفط والغاز ومشتقاتهما بنحو 3.5 مليارات دولار يومياً.

وفي المقابل، تبلغ خسائر السلع الغذائية والاستهلاكية والمعدات نحو 600 مليون دولار يومياً، أي ما يعادل نحو 80 بالمئة من صافي واردات دول الخليج. ورغم أن القيمة الإجمالية لهذه السلع أقل من قيمة تجارة الطاقة، فإن أثرها الاستراتيجي أعلى نسبيًا، نظرًا لاعتماد المنطقة الكبير على الاستيراد الغذائي، ومحدودية البدائل المحلية، إضافة إلى حساسية سلاسل الإمداد التي تعمل وفق نموذج «في الوقت المناسب».

وعليه، فإن أي تعطّل في المضيق لا يقتصر على رفع الأسعار، بل قد يؤدي إلى نقص فعلي وسريع في السلع خلال أيام أو أسابيع، مع ضغط مباشر على المخزونات الاستراتيجية الغذائية في دول الخليج.

بدائل «هرمز»

تُطرح بدائل للمضيق في سلاسل إمداد الطاقة والتجارة، إلّا أن معظمها يظل نظريًا ويفتقر إلى جدوى اقتصادية حقيقية. وحتى بافتراض إمكانية تنفيذ جزء محدود منها فنيًا، عبر خطوط أنابيب أو شبكات سكك حديدية أو نقل بري، فإنها تصطدم بتعقيدات جيوسياسية وتباينات في المصالح بين دول الخليج، مما يجعل تحقيقها على نطاق فعّال أمرًا بالغ الصعوبة. 

وعلاوة على ذلك، فإن هذه المشاريع تنطوي على تكاليف استثمارية ضخمة مقابل عوائد غير مضمونة، مع مستويات مخاطرة مرتفعة لا تتناسب مع حجم الإنفاق المطلوب، مما يضعف جدواها العملية مقارنة باستمرار الاعتماد على المضيق.

فلسفة العقوبات الاقتصادية فاشلة

تُظهر التجربة أن فلسفة العقوبات الاقتصادية، كبديل عن العمل العسكري، لم تحقق أهدافها المرجوة، بل أفرزت آثارًا عكسية مُعقّدة. فقد تبنّت الولايات المتحدة هذا النهج عبر أدوات متعددة، شملت تقييد التجارة، وتجميد الأصول، وفرض تعريفات جمركية إضافية، وتشديد القيود على التحويلات المالية، وصولا إلى عرقلة الملاحة. غير أن هذه السياسات أسهمت في إضعاف منظومة العولمة التي قامت على انسيابية التبادل التجاري.

وفي المقابل، نشأ ما يمكن وصفه بـ «اقتصاد التحايل»، من خلال توسُّع الأسواق السوداء وظهور ناقلات الظل، وانحراف أنماط الإنتاج النفطي عن توازنها الطبيعي، إلى جانب تسييس متزايد للأنظمة الاقتصادية.

كما أدت هذه البيئة إلى ارتفاع مستويات الغموض في المعاملات المالية والتجارية، وانتقالها من إطار واقعي يمكن التنبؤ به إلى حالة من عدم اليقين. وبذلك، تبدو العقوبات الاقتصادية، في مجملها، أداة محدودة الفاعلية، بل وقد تكون مُكلفة اقتصاديًا وسياسيًا على المدى الطويل.

الخاسر والمستفيد من الأزمة

وتُظهر أزمة المضيق أن فلسفة الحصار الاقتصادي أسهمت في تكوين معسكرين متقابلين، الأول تقوده الولايات المتحدة وأوروبا، بوصفهما جهة فارضة للعقوبات، والثاني يضم روسيا والصين وعددًا من الاقتصادات الآسيوية المتكيفة مع بيئة القيود.

ومن منظور اقتصادي بحت، يبدو أن الجناح الآسيوي حقق مكاسب نسبية، إذ عززت الصين موقعها الصناعي والتجاري، ووسّعت روسيا حضورها السياسي والجغرافي، بينما تمكنت إيران من الحفاظ على تدفقات صادراتها بآليات التفافية وأسعار فورية مرتفعة.

في المقابل، واجهت دول الخليج اختلالا في تجانس سياساتها الاقتصادية، وضغوطا على الإنتاج والاستثمارات، إضافة إلى مخاطر تطول البنية التحتية للطاقة. 

غير أن الخاسر الأكبر يتجاوز الإقليم ليشمل الاقتصاد العالمي، الذي يواجه احتمالات الركود التضخمي وارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم معدلات الفقر. فجوهر الأزمة لا يرتبط فقط بحجم النفط والغاز العابر، بل بتكامل الحلقة الاقتصادية العالمية، واعتمادها على هذا الممر الحيوي.

وفي المحصلة، يبدو أن الكلفة الاقتصادية لهذه السياسات تفوق بكثير ما يُطرح من مبررات سياسية قائمة على مصطلح «المبدأ»، مما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا النهج واستدامته.

حلول وتعقيدات

خروج الإمارات من تحالف أوبك، وهي الدولة التي تقدّمت في 2021 بطلب رفع خط أساس إنتاجها داخل المنظمة، مدفوعةً باكتشافات نفطية تُقدَّر بـ 20 - 30 مليار برميل وغازية بنحو 50 - 80 تريليون قدم مكعبة، مع طموح لزيادة طاقة التصدير (2 مليون ب. ي نفط، و25 مليون طن سنويًا غاز مسال)، هذا التوجه يتقاطع مع فجوة طلب متوقعة خارج المنظمة، خاصة مع توقُّع تراجع إمدادات دول خارج «أوبك» بعد 2030 من 74 الى 50 مليون برميل يوميا، ومع تقليص الاستهلاك المحلي عبر الطاقة الشمسية ومشروع الهيدروجين، مما يعزز فائض التصدير للإمارات. 

ورغم أن أثر زيادة تقارب مليون برميل يوميًا على الأسعار محدود حاليًا، فإن جدوى التوسع تبقى محل نقاش بسبب تداخل الأرقام ومخاطر السوق.

وكانت «أوبك» قد رفعت خط الأساس للإمارات إلى نحو 3.5 ملايين برميل/يوم منذ مايو 2022، مقابل قدرة إنتاجية تقارب 4 ملايين قبل التخفيضات. وأي سيناريو لانسحاب أو تموضع أكثر استقلالية سيُربك توازن السوق ويُضعف إطار «أوبك+»، ويدفع إلى تنافس على حصص الأسواق بدل إدارتها، مما قد يثير ردود فعل من كبار المنتجين ويزيد تقلبات العرض والطلب، مع احتمال اقتداء منتجين آخرين.

تُظهر أزمة المضيق، كذلك، أن الحلول الفنية لضمان استمرارية سلاسل الإمداد ليست معقّدة في حد ذاتها، بل إن كلفتها تبقى محدودة نسبيًا إذا ما قورنت بحجم الخسائر المحتملة.

غير أن تفعيل هذه الحلول يتطلب شرطًا أساسيًا، وهو الاحتكام إلى منطق اقتصادي بحت بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

عمليًا، بدأت بعض الدول بالفعل في تبنّي ترتيبات مرنة، سواء عبر استخدام ناقلات الظل، أو من خلال تفاهمات مباشرة مع الطرف المسيطر على المضيق، وهو ما تؤكده مؤشرات حركة الناقلات، بما في ذلك لدول خليجية.

أما الاستناد إلى قانون أعالي البحار لعام 1982، فيبقى محدود الفاعلية، لعدم إجماع الأطراف عليه، ولأنه لا يُطبّق بذاته بل يحتاج إلى قبول مشترك، وهو أمر نادر في بيئة النزاعات.

من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة براغماتية، تقوم على التفاهمات الاقتصادية السريعة. وبالنسبة للكويت، فإن المبادرة ضمن هذا الإطار تمثّل خيارًا عمليًا ينسجم مع مصالحها، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار الفورية. كما أن هذا النهج لا يتعارض مع سياسة الحياد، بل يعززها، ويحد من كلفة الوقت وتعقيداته الاقتصادية المتزايدة.

* خبير واستشاري نفط

back to top