سجن الجغرافيا يحاصر الخليج بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران
في قراءة للمشهد السياسي الملتهب الذي تعيشه منطقتنا اليوم، لا يمكن فصل الحاضر عن جذوره التاريخية الممتدة، فما نراه اليوم من تجاذبات دولية وحروب إقليمية ليس وليد المصادفة، بل هو فصل جديد في كتاب بدأ تدوينه منذ أكثر من خمسة أو ستة قرون. إن فهم موازين القوى الحالية يتطلب العودة إلى لحظة فارقة في التاريخ الإنساني، وهي اللحظة التي غيرت مسار التجارة والسياسة العالمية: لحظة اكتشاف أوروبا «رأس الرجاء الصالح». ولكي يستوعب القارئ أصل الحكاية، فإن «رأس الرجاء الصالح» هو مسار بحري من أوروبا يلتف حول الطرف الجنوبي لقارة إفريقيا ثم إلى الهند وآسيا اكتشفه البرتغاليون ليكون بديلاً مائياً يربط أوروبا بآسيا دون الحاجة إلى المرور عبر أراضي العالم الإسلامي.
بداية الانعطاف: استراتيجية الالتفاف والتطويق
كان وصول البحار البرتغالي فاسكو دي غاما إلى شواطئ المحيط الهندي في نهاية القرن الخامس عشر بمنزلة إعلان عن تحول في مراكز الثقل العالمي. لقرون طويلة، كان العالم الإسلامي يمثل الجسر القنطري بين الشرق والغرب، وبين آسيا وأوروبا وافريقيا، مسيطراً على طرق التجارة عبر البحر المتوسط واليابسة، وهو ما جعل منه القوة «القارية» (البرية) الأهم عالمياً بحكم تحكمه في خطوط القوافل.
جاءت المحاولة الغربية لاعتماد استراتيجية الالتفاف حول العالم الإسلامي عبر طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من المواجهة المباشرة معه في حوض المتوسط. وكان الهدف من هذا الالتفاف هو الدوران بعيداً عن عمق المنطقة، للوصول إلى ثروات الهند وتجارة التوابل مباشرة دون دفع مكوس أو المرور تحت السيادة الإسلامية، ونجحت هذه الخطة في وضع المنطقة لأول مرة تحت ضغط «تطويق» خارجي أحكم قبضته على السواحل، لينتقل مركز السيادة والثروة تدريجياً في العالم من القوى القارية البرية إلى القوى البحرية الصاعدة التي تملك الأساطيل الجبارة كالبرتغال وبريطانيا وغيرها.
توارث النفوذ وأدوات التحييد والتفتيت
صار النفوذ الغربي عملية انتقال منظم للراية، فبعد عقود من الهيمنة الأوروبية، استلمت أميركا الراية من بريطانيا لتستمر في النهج نفسه، وهو السيطرة على العقدة البحرية الأهم في العالم، ونعني بها هذا التقاطع الجغرافي الفريد في منطقتنا الذي يتحكم في ثلاثة ممرات مائية حيوية (مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وقناة السويس) والتي تشكل معاً شريان الاقتصاد والطاقة العالمي.
وفي هذه الحقبة الأميركية، برز مساران لتعامل الغرب مع القوى الصاعدة، الأول هو «نهج التحييد»، كما حدث في محاولات تحجيم الدور المصري في حقبة عبدالناصر، لجعل إمكانات الدول العربية الكبرى غير مؤثرة في القرار الدولي. والثانية هي «استراتيجية التفتيت» للقوى التي حاولت بناء مشاريع استقلال وطني، حيث تم استنزاف المنطقة عبر صراعات طويلة، بدءاً من تمكين «بعث الأسد» الذي أخرج سورية من فاعليتها، وصولاً إلى الإنهاك الممنهج للعراق من خلال «حروب صدام» وتفكيك قدراته العسكرية لاحقاً، وهو ما يضمن بقاء المنطقة تحت سقف السيطرة الدولية وثابتاً في واقع العالم العربي اليوم.
الدور الإسرائيلي وأوهام التوسع الأيديولوجي
لا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن الدور الإسرائيلي الذي يتقاطع عضوياً مع المشاريع الغربية، فمنذ عقود تعمل الاستراتيجية الإسرائيلية على مبدأ «تقسيم المقسم»، وضرب أي نواة لقوة صاعدة قد تكسر احتكار التفوق النوعي في الإقليم. واليوم، يتجلى هذا الصلف في التصريحات الفجة والمستفزة للسفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الذي يطالب دول الخليج بلغة تخيير قسرية وعجيبة: «إما إسرائيل أو إيران»، ممتناً بالحماية ومذكّراً بالتهديد الإيراني.
ولعَمري إنها لمطالبة غريبة، إذ يتناسى السفير، المعروف بتوجهاته الصهيونية المتطرفة، أن الكيان الذي يمثله لم يتوقف عن قصف العواصم في سورية، وحطم الجيش السوري تماماً في أربعمائة وثمانين غارة بعد سقوط بشار الأسد بيوم واحد، ولم تكن سورية تحاربه، كما قصف قطر ولم تكن تحاربه، ورغم وجود مفاوضيه فيها... بل إنه يتبنى عقيدة قائمة على «الحق التاريخي والديني المزعوم» بالتوسع الجغرافي، رافعاً شعار «من النيل إلى الفرات»، وهي خريطة أيديولوجية سوداء تطمع في قضم أجزاء من مصر، والسعودية، والكويت، والعراق، والأردن، وسورية، ولبنان. إن هذا التهديد الوجودي الصامت يجعل سياسة «تفكيك الكتل الكبيرة» ثابتاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية لضمان استمرار حالة التشتت العربي والإقليمي، ولكن المفارقة اليوم هي أن هذا التغول يتزامن مع تحول ضخم وعميق في الرأي العام داخل أميركا وأوروبا ضد الممارسات الإسرائيلية، ما يعكس بداية تصدع الرواية الصهيونية في عقر دارها الغربي.
سجن الجغرافيا وساحة المصارعة
تقع منطقة الخليج العربي اليوم في قلب هذا التجاذب، والجغرافيا تفرض على دولنا أن تكون في عين العاصفة بحكم موقعها وثرواتها. إن الوصف الدقيق لحالة المنطقة اليوم هو ما يسمى «سجن الجغرافيا»، حيث تجد الدول نفسها محاصرة بين مطرقة المصالح الأميركية وسندان الطموحات الإقليمية الإيرانية. والخطورة تكمن في أن تدمير الخليج لا تمانع فيه القوى المتصارعة، أميركا وإيران، إذا كان ذلك يخدم مصلحتها الاستراتيجية في ساحة المصارعة هذه.
لكن الخروج من هذا الفخ ممكن عبر تحويل نقاط الضعف إلى مراكز قوة، فالتحول الجاري اليوم في تكنولوجيا السلاح أثبت أن القوة العددية للجيوش باتت أقل بكثير من القوة التكنولوجية والنوعية، والتي يمكن لدول الخليج أن تمتلكها وتتفوق بها، لا سيما في عصر الذكاء الاصطناعي والأنظمة السيبرانية الذكية. وما نراه في المعادلات الحالية من فاعلية «المسيرات والصواريخ الإيرانية مقابل منظومات الباتريوت المكلفة» يؤكد بدء انكسار الاحتكار التقليدي للقوة. هذا التبدل التقني يمنحنا فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورنا كفاعل يملك أدوات الردع الذاتي والتكنولوجي، ويفرض واقعه «تعايشاً إجبارياً» بين المنطقة العربية وإيران وتركيا كضرورة جغرافية وتاريخية.
بناء «الجهاز العصبي» الجديد: التحرر والبدائل
إن المخرج الحقيقي يكمن ابتداءً في بناء الخليج لقوته الذاتية المؤثرة على الصعيد العسكري والسياسي، وفي فكرة «التكامل الإقليمي» وبناء طبقات حماية ذاتية تتجاوز الاعتماد الكلي على المظلات الخارجية، سواء من الغرب أو الشرق. إن الضرورة تحتم التحرر من الوصاية الغربية دون الانتقال إلى وصاية شرقية بديلة، وذلك عبر بناء تحالفات استراتيجية مع قوى إقليمية وازنة، وتحديداً تركيا وباكستان.
وتمثل تركيا بعمقها العسكري والتكنولوجي، وباكستان بثقلها النووي والاستراتيجي، ركيزتين أساسيتين لخلق نوع من التوازن الاستراتيجي الذي يحفظ أمن الخليج والعرب. إن وجود مثلث استقرار يجمع الخليج والعرب بهاتين القوتين الكبريين كفيل بخلق منطقة عازلة تحمي المصالح العربية من التجاذبات الدولية وتحجم الطموحات التوسعية لكل الأطراف، وهو ما يمثل إعادة بناء لـ «الجهاز العصبي» الذاتي الذي يربط مصالح المنطقة ببعضها البعض.
خاتمة: نحو رؤية مستقلة
إن التاريخ يعلمنا أن القوة ليست قدراً ثابتاً، وأن العصر الحالي يُكافئ الذكاء التقني لا الحشود العددية. المطلوب اليوم هو هدوء في التخطيط، وتحرك ذكي لبناء قوة عسكرية وسياسية مدعومة بالتكنولوجيا الفائقة، ومظلة أمنية إقليمية تضمن لأجيالنا القادمة العيش بعيداً عن صراعات القوى الكبرى. الجغرافيا قد تكون قيداً وسجناً إذا استسلمنا لشروطها، لكنها تصبح حصناً إذا أدرنا مواردنا وبنينا تحالفاتنا مع عمقنا الإقليمي (التركي والباكستاني) بذكاء ورؤية مستقلة، تحقق لنا السيادة المنشودة وتخرجنا نهائياً من دائرة الارتهان للخارج.
* وزير الصحة الأسبق