كعكة الرئيس

نشر في 17-05-2026
آخر تحديث 16-05-2026 | 20:14
 فيصل خاجة

في مايو 2025 صدر فيلم بعنوان مملكة القصب (عنوان آخر: كعكة الرئيس) في مهرجان كان السينمائي، بدعم من مؤسسة الدوحة للأفلام، وحصد الفيلم العديد من الجوائز المستحقة إزاء الفكرة والحبكة والأداء والإخراج، وتجري أحداث الفيلم الزمنية في أواخر أبريل 1991 مع ذروة المآسي التي واجهها الشعب العراقي بعد مقتل أكثر من 200.000 شخص بين شهري يناير وأبريل، تزامناً مع حرب تحرير الكويت وقمع الانتفاضة الشعبية (الشعبانية) بخلاف مئات الآلاف من الجرحى والنازحين، وهي الأحداث التي لم تثن النظام وقائد الضرورة عن الاحتفال السنوي بعيد ميلاده المجيد، والذي كانت تسخر له أدوات الدولة ويبث على التلفزيون العراقي في احتفالات وأوبريتات رديئة شهدت حشد مئات الفتيات الصغيرات للرقص أمامه لإثبات شعبية مزيّفة، بخلاف كل المظاهر الأخرى في الشوارع والأعلام وغيرها، مثل إصدار الطوابع البريدية الخاصة بهذه المناسبة وغيرها. في خضم تلك الأحداث ترتكز قصة الفيلم على قصة مستوحاة من الواقع بقيام إحدى مدارس الأطفال بتكليف الطالبة لميعة، التي فقدت والدها أثناء تلك الأحداث، بتنفيذ كعكة خاصة بهذه المناسبة ليأكلها في النهاية مدير المدرسة!

كثيرة هي المفارقات التي تضمنها هذا الفيلم بمشاعره الإنسانية والتناقضات الصارخة لنظام لم يقم وزناً للإنسان، كان لافتاً حضور صور صدّام بمختلف الأشكال والأزياء في الشوارع والمدارس والمخافر وغيرها، كما كان لافتاً اختزال الوطن في شخصه مع انعدام وجود العلم العراقي على الرغم من حداثة تغييره في يناير من ذات العام بإضافة عبارة «الله أكبر» بين النجوم الثلاثة التي خَبَت فيما بعد. تتنقل مشاهد الفيلم بين بيئة الجبايش المذهلة (الجزر العائمة) ببساطتها وتميزها وزوارقها التي تنتمي للتاريخ السحيق وبين العاصمة بغداد المفترض بها الحداثة، وذلك بعد أن نالها ما نالها إثر الحرب والحصار.

ويعوّل الفيلم على عقل المُشاهد في مختلف المَشاهد، كما يميل نمط الفيلم إلى المدرسة الأوروبية أكثر من الأميركية بإيقاعه وارتكازه على الخلجات والمشاعر الإنسانية لمختلف الشخصيات بتباينها، كما يكتظ بالمتناقضات التي عاشها العراق في حينها، ولا يخلو من إسقاطات اجتماعية وسياسية لا تزال حاضرةً في الواقع العربي، وبخلاف المعتاد في عالم الأفلام ينتهي الفيلم بمشهد حقيقي تأكيداً للمصداقية.

بعد مشاهدة الفيلم، طرأ لي سؤال عن اختلاف عنوان الفيلم العربي (مملكة القصب) عن الأجنبي (كعكة الرئيس)، وهو التساؤل الذي أجاب عنه المخرج المبدع حسن هادي لقناة مونت كارلو بأن العنوان في الأساس كان مملكة القصب، بدلالة رمزية على خواء هذه المملكة التي تبدو قوية ومتماسكة في مظهرها إلا أنها في جوهرها منخورة بسوس الفساد والعنف والكراهية، مع اعتقاده بأن الترجمة الحرفية لهذا العنوان لن تقدم هذه الدلالات للمشاهد غير العربي، فجاء العنوان الآخر أكثر مباشرة «كعكة الرئيس» The president’s cake (مثلما جاء عنوان هذا المقال)، ليروي للعالم حكاية صغيرة من الخزين الهائل لحكايا رخص الإنسان في الأنظمة الشمولية المستبدة.

back to top