دبي ومستقبل الوقاية من الأمراض الوراثية
خلال عملٍ علمي امتد لسنوات، ونُشر أخيراً بمجلة Nature Medicine المرموقة، قاد الصديق الدكتور أحمد أبوطيون فريقاً علمياً وبحثياً إماراتياً في دبي، ضمن مشروع أراه من أكثر المبادرات الطبية واقعية وأهمية في المنطقة: برنامج الفحص الجيني قبل الزواج. شمل البرنامج فحص 1000 زوج عبر شريحة جينية واسعة تضم 782 جيناً مرتبطة بالأمراض الوراثية المتنحية.
الفكرة في ظاهرها قد تبدو بسيطة: أن يُمنح المقبلون على الزواج فرصة معرفة ما إذا كانوا يحملون طفرات جينية قد تنتقل إلى أبنائهم، لكن أثرها عميق جداً. فقد أظهرت النتائج أن نحو 8 في المئة من الأزواج كانوا يحملون طفرات مرضية في الجين نفسه، مما يضعهم أمام احتمال إنجاب أطفال مصابين بأمراض وراثية قد تكون خطيرة.
في مجتمعاتنا الخليجية، هذه الأرقام ليست مجرَّد إحصاءات، فنحن نتحدَّث عن مجتمعات ترتفع فيها معدَّلات زواج الأقارب، وهو أمر متجذِّر اجتماعياً وثقافياً، لكنه يزيد من احتمالية التقاء الطفرات الوراثية داخل العائلة الواحدة. لذلك، يُصبح الفحص الجيني قبل الزواج ضرورة صحية ومجتمعية، لا مجرَّد خيارٍ طبيٍ إضافي.
لكن الأهم من الفحص هو طريقة التعامل مع نتائجه. فحمل الطفرة الجينية ليس وصمة، ولا يعني أن الإنسان مريض. معظم البشر يحملون تغيُّرات جينية بدرجات مختلفة. الفارق هنا أن المعرفة، إذا قُدِّمت بطريقة موضوعية وعلمية، فإنها يمكن أن تتحوَّل من مصدر خوف إلى أداة تمكين.
اللافت في تجربة دبي أن معظم الأزواج المصنفين ضمن الفئة عالية الخطورة اختاروا الاستمرار في الزواج، مع التفكير في خيارات طبية تقلل من احتمالية انتقال المرض إلى الأبناء. وهذا يوضح أن الهدف ليس منع الزواج، بل حماية الأسرة القادمة، ومنحها فرصة أفضل.
وتُحسب هذه التجربة لهيئة الصحة في دبي، بقيادة الدكتور علوي الشيخ علي، حيث استخدمت البحث العلمي كأداة لرسم سياساتها الصحية العامة. فالنموذج هنا لا يكتفي بنشر ورقة علمية، بل يستخدم نتائجها لبناء برنامج وقائي يخدم الناس مباشرة.
ما يحدث في دبي يتجاوز حدود الإمارة، إنه نموذج خليجي متقدِّم يذكِّرنا بأن الاستثمار الحقيقي في الصحة لا يبدأ عند سرير المريض، بل قبل أن يحدث المرض.
رسالة تهنئة: خالص التهنئة للدكتور سلمان خليفة الصباح، بمناسبة نيله الثقة السامية، وتعيينه وكيلاً لوزارة الصحة. إنه قريب من الجميع، ومشهود له بالكفاءة وحُسن التعامل والحرص على خدمة القطاع الصحي. يستاهل كل خير، ونسأل الله له التوفيق والسَّداد.