ميزان الإنجاز والنفط

نشر في 17-05-2026
آخر تحديث 16-05-2026 | 18:40
 د. نور محمد الحبشي

الإنجازُ ليس شعاراً يُردَّد، ولا لفظاً يُزيَّن به الخطاب، بل هو حقيقةٌ تُبنى لَبِناتُها في ميدان العمل، حيث يُمتحن الصدق، وتُوزن العزائم بقدر ما تُقدِّم من أثرٍ باقٍ لا يزول. 

نحن بإزاء مرحلةٍ لا تحتمل التراخي، ولا تقبل أنصاف الجهود، مرحلةٍ تُفتح فيها أبواب الفُرص على مصاريعها، لكنها لا تُعطي إلا لمن أعد لها عُدَّتها، واستمسك بأسبابها علماً راسخاً، وإخلاصاً صادقاً، وإتقاناً لا يعرف الفتور. ومَنْ ظن أن الطريق مفروشٌ بالأماني، خاب سعيه، إذ لا يُنال المجد إلا ببذلٍ يُضارع الطموح، وعملٍ ينهض على وعيٍ بالغاية والمسؤولية.

فالخريجُ اليوم لا يُطلب منه أن يكون حاملَ شهادةٍ فحسب، بل أن يكون حاملَ رسالة، أن يُحسن توظيف علمه، وأن يُترجِم معارفه إلى منجزٍ ملموسٍ يُسهم في بناء وطنه، ويُضيف إلى رصيده قيمةً حقيقية. ذلك أن العلم إذا اقترن بالإخلاص صار قوةً دافعة، تُحرِّك عجلة التقدُّم، وتُقيم لصاحبها وزناً معتبراً في ميزان الكفاءة. 

ومن هنا، فإن الميدان لا يفسح مكاناً للمتثاقلين، بل يعلو فيه شأنُ مَنْ جعل من وقته رأسمالاً، ومن جهده طريقاً، ومن الإتقان خُلُقاً ملازماً له في صغير عمله وكبيره.

على أن حديث الإنجاز لا يكتمل إلا بحديثٍ موازٍ عن عدالة التقدير، إذ لا يستقيم البناء إذا اختلَّ ميزان المكافأة، ولا يرسخ الولاء إذا غاب الشعور بالإنصاف. وفي هذا السياق، يبرز ملف الرواتب، لا سيما في القطاع النفطي، بوصفه موضع تساؤلٍ مشروع حول اتساع الفوارق بين خريجين تشابهت مؤهلاتهم، وتباينت دخولهم تبعاً لاختلاف جهات عملهم. وليس في أصل التفاوت ما يُستنكر، فاختلاف طبيعة الأعمال ومسؤولياتها، ومستوى المخاطر فيها، يُوجب قدراً من التفريق، لكن المبالغة التي تُجاوز حدود المعقول تُربك الميزان، وتُضعف الإحساس العام بالعدالة، وتفتح باب المقارنات التي لا تخلو من مرارة.

إن العدالة المنشودة ليست تسويةً جامدةً تُلغي الفروق، ولا إطلاقاً يتركها بلا ضابط، بل هي ميزانٌ دقيق تُبنى فيه الفوارق على الكفاءة الحقيقية، وحجم المسؤولية، ومقدار الإنتاج، وأثر العمل في مسار المؤسسة والوطن. فحيث يكون الجهد أوفر، والعطاء أصدق، والأثر أعمق، يكون التقدير أعلى، وحيث تتقارب المعطيات، تتقارب النتائج، فيشعر الجميع أن الفرص متكافئة، وأن السبيل إلى الترقي مفتوح لمن جدّ واجتهد.

إن الإنجاز، في جوهره، دعوةٌ مزدوجة: دعوةٌ للفرد أن يُحسن البناء في نفسه علماً وعملاً، ودعوةٌ للمؤسسات أن تُحسن بناء أنظمتها عدلاً وتقديراً. فإذا التقت الإرادتان، نشأ مجتمعُ عملٍ متماسك، تُصان فيه القيم، وتُحفَظ فيه الحقوق، وتترسَّخ فيه الثقة، ويغدو الإنجاز فيه ثقافةً عامة، لا استثناءً عابراً، بل مساراً مستمراً تُقاس به نهضة الأوطان.

back to top