تقرير اقتصادي: غذاء المستهلكين... فاتورة مثقلة بالاحتكار والاستيراد وسوء الاستغلال

• ارتفعت 49% خلال 8 سنوات وزادت تكاليف الحياة والتضخم
• كبح التضخم مسؤولية الإدارة العامة... ولا يعني تبنّي الخيارات المخادعة
• الشكاوى من أسعار الأسماك والأضاحي تعكس خللاً في الأمن الغذائي

نشر في 14-05-2026
آخر تحديث 13-05-2026 | 19:26
محمد البغلي
محمد البغلي

سلّط تقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) بشأن الارتفاع اللافت في ⁠أسعار الغذاء العالمية في شهر أبريل الماضي ⁠إلى أعلى مستوياتها في أكثر من 3 سنوات، الضوء على واقع أسعار الأغذية في السوق المحلي على المستهلك، الذي يدفع غالباً تكاليف إضافية مدعومة بالاحتكار والاستيراد والاستغلال المنحرف لمرافق الأمن الغذائي عن أغراضها الحقيقية.

وأرجعت «فاو» مسألة صعود مؤشر أسعار ⁠الأغذية التابع للمنظمة في أبريل 1.6 ​بالمئة عن مستواه في مارس إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، وصعود ‌أسعار الزيوت ​النباتية بسبب حرب إيران ‌وإغلاق ​مضيق هرمز.

بيانات رسمية 

في المقابل، نجد من واقع البيانات الرسمية أن تكاليف الأغذية في الكويت تواصل صعودها على أساس سنوي، بغضّ النظر عن ارتفاع أو انخفاض أسعار الغذاء العالمية أو الصدمات التي تعرضت لها أسواق الزراعة واللحوم العالمية في جائحة كورونا مثلاً عام 2020، أو اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022 أو الحرب على إيران التي اندلعت هذا العام، فأسعار الأغذية المحلية تواصل ارتفاعها، بل إنها تمثل أساساً لنمو مؤشر أسعار المستهلك (التضخم).

فمن واقع بيانات الإدارة المركزية للإحصاء، نجد أن مجموعة «الأغذية والمشروبات» التي تمثل ثاني أكبر وزن في الرقم القياسي لأسعار المستهلك بعد مجموعة خدمات المسكن، حيث تمثّل مجموعة الأغذية ما وزنه 16.7 في المئة من المؤشر، قد ارتفعت منذ نهاية عام 2017، وهي السنة التي أعيدت فيها هيكلة مكونات أسعار المستهلك بواقع 49 بالمئة، أي بنمو ما بين 4 و6 بالمئة على أساس سنوي، فيما ارتفع التضخم في الكويت خلال الفترة نفسها بحوالي 23 بالمئة.

الأغذية تمثّل  16.7% من مكونات «أسعار المستهلك» وصعودها السنوي بين 4 و6%

وتضم مجموعة الأغذية من الحبوب والخبز إلى اللحوم والدواجن والأسماك، مروراً بالألبان والزيوت والدهون والخضراوات والفواكه والسكريات والمشروبات.

رفع التكاليف

وتشير هذه الأرقام إلى الدور اللافت الذي تؤديه مجموعة الأغذية والمشروبات في رفع تكاليف الحياة بالكويت ونمو التضخم على المستهلكين.

ولعله من المفيد الإشارة إلى أن ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع القليلة الماضية من ارتفاع حاد في أسعار الأسماك، إلى جانب الأضاحي قبل عيد الأضحى، لا يمثّل مجرد شكاوى عادية من مستهلكين، بل يعكس جانباً من خلل الأمن الغذائي في البلاد وتهاون الجهات الرقابية في معالجته.

أسماك وأضاحٍ 

 فالأسماك التي يصل فيها سعر كيلو الزبيدي إلى 20 ديناراً، رغم أن تكاليف إنتاجها شبه معدومة وأثمان صيدها مدعومة، إلّا أنها تعكس منظومة احتكار متمثلة في بيع وتأجير رخص الصيد وبسطات ومنافذ البيع بأسعار عالية وعبر عقود باطن، مما يجعل المستهلك يدفع فاتورة محملة بتكاليف احتكارية تتوسع في مداها لتشمل الأراضي والمخازن والوكالات والرخص وغيرها.

أما الارتفاع اللافت في أسعار الأضاحي خلال هذه الفترة، فمرجعه إلى الاستغلال السيئ أو المنحرف لمرافق وحيازات الأمن الغذائي الزراعية والحيوانية التي تحولت إلى منتزهات شخصية على حساب الأغراض الاقتصادية والغذائية التي منحت الدولة الأراضي على أساسها، وهو ما يعكس صورة نادرة الحدوث في أي سوق غذائي، إذ تتفوق أسعار اللحوم المحلية على المستوردة حتى تضاعف سعر الأضحية إلى ما بين 170 و180 ديناراً.

إصلاح الواقع الغذائي يصب في مصلحة سوق العمل وصولاً إلى تعظيم الناتج المحلي وتنويعه

استيراد وتوطين

كذلك، لا يمكن تجاوز أن جانباً مهماً من ارتفاع أسعار الأغذية في الكويت يرجع إلى اعتمادها اللافت على الاستيراد بما يصل إلى 90 بالمئة من الاحتياجات الغذائية تحت ضغوط الاستيراد وتكاليف الشحن والجمارك والتأمين والتخزين، مما يرفع من أهمية توطين الصناعات المحلية، وهو في حده الأدنى يخفف من عبء فاتورة المستهلك، أما في مبتغاه الأسمى، فيرفع من متانة الأمن الغذائي في البلاد.

توطين الصناعات المحلية يخفف من عبء فاتورة المستهلك ويرفع من متانة الأمن الغذائي

أعلى من الخليج

وفي نظرة عامة لأوضاع التضخم بالكويت، نجد أنها تسير في اتجاه خاطئ، بل يتجاوز أيضاً المستويات التضخمية حتى في دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها الدول التي تطبّق ضريبة القيمة المضافة، فحسب ما نشرته شركة كامكو للاستثمار الكويتية، بناء على معلومات وحدة بحوثها وصندوق النقد الدولي، سنجد أن الكويت سجلت خلال الأعوام الثلاثة الماضية (2023 - 2024 - 2025) أعلى مستوى تضخم مقارنة بمعدلات دول مجلس التعاون.

وصحيح أن التضخم في الكويت تتضح صورته في الأحداث الموسمية، كالمناسبات الدينية أو المدارس، إلّا أنه واقع حقيقي طوال العام مدعوماً ببيانات حكومية واضحة، سواء في نطاقه العام أو من خلال مكوناته الفرعية كالأغذية والملبوسات - مع التحفّظ عن آليات قياس المكون الأكبر، أي خدمة المسكن التي تمثّل ثلث وزن المؤشر- وبالتالي يمثّل ضغطاً في السوق المحلي، علاوة على ما يعكسه من اختلالات في الاحتكار وجودة الاستغلال والاستيراد.

معالجة لا مخادعة 

لا شك في أن كبح التضخم هي مسؤولية اقتصادية واجتماعية للإدارة العامة، وهي لا تعني أبداً اللجوء إلى المسكنات أو الخيارات المخادعة، كالمطالبات بزيادات مالية للرواتب، أو وقف استقطاع القروض أو إسقاطها، أو حتى زيادة الحصة التموينية، بل بمعالجة جوهرية لعلة التضخم، وتحديداً فاتورة الغذاء تأخذ في اعتبارها مساوئ الاحتكار والاستيراد والاستغلال المنحرف للحيازات الزراعية والحيوانية، حيث تكون في بدايتها إصلاحاً لوضع تضخمي خاطئ يتطور لاحقاً إلى بيئة أعمال صحية وصناعات غذائية حقيقية تصب في مصلحة سوق العمل وصولاً إلى تعظيم وتنويع الناتج المحلي الإجمالي.

back to top