الخدم بين المسؤولية والإنسانية

نشر في 13-05-2026
آخر تحديث 12-05-2026 | 18:50
 محمد جاسم الفيلكاوي

في كل مرة أسمع فيها أحداً يقول عن عامل أو خادم: «أنا دافع له» أدرك أن المشكلة ليست في القانون... بل في طريقة التفكير. بعض الناس، مع الأسف، يتعامل مع العامل وكأن الكفالة أعطته حق السيطرة المطلقة عليه. يتحكم في وقته، وصوته، وراحته، وأحياناً حتى في إنسانيته. وكأن الراتب الذي يدفعه حوّل إنسانًا كامل الحقوق إلى شخص بلا كرامة. وهنا الكارثة. لأن البشرية دفعت أثماناً طويلة حتى تصل إلى مرحلة تُدرك فيها أن الإنسان لا يُقاس بجنسيته، ولا بضعفه، ولا بحاجته للعمل. انتهى زمن كان فيه البشر يُباعون ويُشترون، وأصبح احترام الإنسان مبدأ لا يقبل النقاش. لكن المؤلم أن بعض العقليات ما زالت تعيش بعقلية «العبد»، حتى وإن تغيّرت الأسماء. ومن الناحية الشرعية، فإن الإسلام سبق كل القوانين الحديثة في تقرير هذا المعنى. لم ينظر إلى العامل على أنه درجة أقل، بل جعل له حق الكرامة والرحمة وحسن المعاملة. ويكفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم». تأمل كلمة «إخوانكم». لم يقل عبيدكم، ولا من هم أقل منكم، بل ربط العلاقة بالإنسانية قبل أي شيء آخر. أما قانوناً، فالعلاقة بين الكفيل والعامل ليست علاقة تملُّك، بل علاقة ينظمها القانون، وتترتب عليها التزامات متبادلة. لذلك، فإن أي صورة من صور الإهانة أو الاعتداء أو الاستغلال ليست «شأناً خاصاً»، بل تجاوز يُحاسب عليه القانون. والمشكلة الحقيقية أن بعض الناس لا يدرك أن إساءة المعاملة لا تكشف فقط عن ضعف أخلاقه، بل تكشف حجم الخلل في فهمه لمعنى القوة. لأن الإنسان الحقيقي لا تظهر أخلاقه مع من يخافه، بل مع من يستطيع أن يظلمه ثم يختار ألا يفعل. وفي النهاية، العامل الذي دخل بيتك أو مكان عملك بحثاً عن رزقه، لم يأتِ ليُهان، بل جاء وفي عنقه مسؤولية، وفي عنقك أنت إنسانية.

back to top