وجهة نظر: ما يكشفه التقشف في الهند عن قوة الخليج الحقيقية
في الأسابيع الأخيرة، برزت إشارة غير مألوفة من الهند، وهي دولة ترتبط عادةً بالتفاؤل الاقتصادي أكثر من سياسات التقشف.
فقد أشارت تقارير إعلامية هندية إلى أن رئيس الوزراء ناريندرا مودي دعا المواطنين إلى تجنُّب شراء الذهب غير الضروري، وتقليص السفر الخارجي غير اللازم، وترشيد استهلاك الوقود، وإعادة تفعيل العمل من المنزل حيثما أمكن، في ظل تصاعد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وما يفرضه ذلك من ضغوطٍ على أسواق الطاقة العالمية واحتياطات النقد الأجنبي.
ولم تكن الهند وحدها، فقد أفادت تقارير بأن الصين اتجهت إلى إعطاء أولوية لاستقرار الوقود المحلي، ومراقبة الاحتياطات الاستراتيجية بشكلٍ أكثر دقة مع تسارع تقلبات أسواق النفط الخام. كما فعَّلت كوريا الجنوبية نقاشات طارئة للاستجابة الطاقوية المرتبطة، باعتمادها الكبير على واردات النفط الخام من الخليج. وبدأت إندونيسيا وعدد من اقتصادات جنوب شرق آسيا مراجعة دعم الوقود وإجراءات ترشيد الطاقة. وفي أوروبا، عادت شركات الطيران والتصنيع والخدمات اللوجستية وصُنَّاع القرار إلى مواجهة حقيقة أن أي اضطراب في الخليج يمكن أن ينتقل بسرعة إلى التضخم وعدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي الأوسع. حتى الولايات المتحدة، رغم ثورة النفط الصخري، لا تزال عُرضة لاضطرابات في أسواق الديزل ووقود الطيران العالمية.
تكشف هذه التطورات مجتمعةً عن شيءٍ أعمق بكثير من مجرَّد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط. إنها تكشف عن مدى التغلغل العميق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في البنية التشغيلية للاقتصاد العالمي.
لسنوات طويلة، طمأن العالم نفسه بإحصائية مبسَّطة: دول الخليج تنتج نحو ربع النفط الخام العالمي. رقم مهم بلا شك، لكنه قابل للإدارة. وقد افترض صانعو السياسات أن التنويع، والطاقة المتجددة، وإنتاج النفط الصخري، والموردين البديلين ستقلل تدريجياً من اعتماد العالم على المنطقة. لكن الأزمة الأخيرة كشفت عن خللٍ في هذا الافتراض، فالمسألة ليست فقط كمية النفط التي يُنتجها الخليج، بل نوعية هذا النفط.
لا تزال منطقة الخليج، بقيادة السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، تمثل المصدر المهيمن عالمياً على النفط الخام المتوسط والثقيل المتداول في الأسواق، وهي الخامات الأساسية لإنتاج الديزل ووقود الطائرات ووقود السفن والمشتقات الصناعية وسلاسل البتروكيماويات الكبرى. وهذه ليست سلعاً هامشية، بل هي الوقود الذي يشغِّل شبكات الطيران، والشحن البحري، والنقل البري، ومعدات التعدين، والتصنيع الصناعي، والزراعة، وسلاسل الإمداد العالمية. فالنفط الخام ليس قابلاً للاستبدال بسهولة. هذه الحقيقة أكثر أهميةً في آسيا، حيث صُمِّمت العديد من المصافي خصيصاً للتعامل مع النفط الخام الخليجي المتوسط والثقيل عالي الكبريت. وتعتمد الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلند وإندونيسيا والفلبين بشكلٍ كبير على هذه الأنواع، لأن أنظمتها التكريرية بُنيت لمعالجتها بكفاءة وعلى نطاقٍ واسع.
نظرياً، توجد بدائل. لكن عملياً، لا يوجد بديل فوري أو قابل للتوسع أو مجدٍ تجارياً يمكن أن يحل محل مزيج الخليج الفريد من حجم الإنتاج، والطاقة الفائضة، والبنية التحتية التصديرية، والموقع الجغرافي، والتوافق مع المصافي العالمية.
إنتاج النفط الصخري الأميركي يتركز على خامات خفيفة لا تتوافق دائماً مع أنظمة المصافي الآسيوية. وصناعة النفط الثقيل في فنزويلا لا تزال مقيدة بالعقوبات وتدهور البنية التحتية. أما الصادرات الروسية، فتواجه قيوداً جيوسياسية ولوجستية، وهي أصلاً مرتبطة بقنوات طلب آسيوية قائمة. وبالتالي، فإن الأهمية الاستراتيجية الحقيقية للخليج أكبر بكثير مما تُوحي به الإحصاءات التقليدية للإنتاج.
فبينما يُسهم الخليج بنحو 25 في المئة من إنتاج النفط العالمي، فإن تأثيره على النفط المتوسط والثقيل المتداول دولياً- خصوصاً المرتبط بإنتاج الديزل ووقود الطائرات- يُقدَّر من قِبل محللين في الصناعة بأنه يقترب من 40 إلى 50 في المئة من الإمدادات المتداولة عالمياً. وهذا الفارق أصبح اليوم مرئياً اقتصادياً. فالاقتصادات الحديثة لا تبدأ بالضعف بسبب نقص البنزين، بل بسبب اختناقات الديزل ووقود الطائرات. فالديزل يشغِّل أنظمة الشحن، والمعدات الصناعية، والزراعة، والتعدين، وأساطيل الخدمات اللوجستية، وشبكات التصنيع. أما وقود الطائرات، فيحافظ على حركة السياحة، ونقل البضائع، والسفر الدولي للأعمال، وتكامل التجارة. وعندما تضيق أسواق المشتقات المتوسطة، ينتشر التضخم بسرعة عبر النقل والغذاء والإنتاج الصناعي والأسعار الاستهلاكية.
هذه الآلية بدأت بالفعل، فشركات الطيران تحذِّر من ارتفاع التكاليف التشغيلية، وأسواق الشحن والنقل البحري لا تزال متقلبة، والمصافي الآسيوية تسعى إلى إعادة موازنة سلاسل إمداد الخام، كما تتزايد مخاوف الحكومات من التضخم المستورد وضغوط العملات إذا استمر عدم الاستقرار في الخليج. وبالتالي، فإن توصيات الهند، كما وردت، تتجاوز الهند نفسها بكثير. إنها تمثل أحد أوضح أشكال الاعتراف بأن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد هيكلياً على استقرار الخليج. ويمتد هذا الاعتماد إلى ما هو أبعد من النفط نفسه. فمنطقة الخليج أصبحت اليوم عند تقاطع أنظمة أساسية للعولمة: تدفقات الطاقة، واللوجستيات البحرية، وصادرات الغاز الطبيعي المسال، ومسارات الطيران، والبتروكيماويات، ونشر رؤوس الأموال السيادية، وإنتاج الأسمدة، وممرات الشحن، والمدخلات الصناعية، وحتى البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ومن هذا المنظور، تطور الخليج بصمت من مجرَّد موردٍ للطاقة إلى منصة استمرارية اقتصادية عالمية. وقد يُعيد هذا التحوُّل تشكيل التفكير الاستثماري العالمي خلال العقد المقبل بشكلٍ جذري.
تاريخياً، تركَّز رأس المال الدولي في دول وفَّرت بنية تحتية استراتيجية للاقتصاد العالمي. فقد تحوَّلت سنغافورة إلى بوابةٍ لوجستية ومالية لآسيا. وأصبحت هولندا، عبر روتردام، محوراً للتوزيع الأوروبي. وأصبحت قناة بنما محوراً لا غنى عنه للتجارة العالمية. واستفادت أستراليا من ثرواتها المعدنية والغاز الطبيعي المسال. وبرزت فيتنام كمركز تصنيع مدمج في سلاسل الإمداد العالمية.
وينطبق المنطق نفسه بشكلٍ متزايد على الخليج، لكن على نطاقٍ أوسع نظامياً. إذا كان الخليج يتحمَّل مسؤولية غير متكافئة في دعم أنظمة الوقود الصناعي العالمية، وشبكات الطيران، وممرات الشحن، والاقتصادات كثيفة الطاقة، فإن تخصيص رأس المال العالمي سيحتاج تدريجياً إلى عكس هذه الحقيقة الاستراتيجية. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالاستثمار في النفط، بل بالاستثمار في مرونة الاقتصاد العالمي نفسه.
خلال العقد المقبل، قد تتجه صناديق الثروة السيادية، وأنظمة التقاعد، ومستثمرو البنية التحتية، وشركات الخدمات اللوجستية، والمصنعون الصناعيون، وشركات التكنولوجيا، بشكلٍ متزايد نحو استثمار مئات المليارات من الدولارات في منظومات البنية التحتية الخليجية: التكرير، والموانئ، وخطوط الأنابيب، والهيدروجين، ودمج الطاقة المتجددة، وتحلية المياه، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ومطارات الطيران، وأنظمة الأمن الغذائي، وشبكات الإمداد المرنة.
والمفارقة التي قد يُصبح من الصعب تجاهلها، هي أن العالم، الذي كان ينظر لعقود إلى الخليج كمصدر للطاقة فقط، قد يجد نفسه أمام إعادة تعريف كاملة لدوره.
فإذا أصبح مجلس التعاون جزءاً فعلياً من طبقة البنية التحتية التي تدعم استمرار الاقتصاد العالمي، فإن اجتماعات المستقبل الاستراتيجية قد لا تدور فقط حول تأمين شحنات النفط، بل حول تأمين شراكات استثمارية طويلة الأمد مع اقتصادات الخليج نفسها.
وقد لا يكون من المستبعد أن تجد الهيئات الاستثمارية في الكويت والرياض وأبوظبي والدوحة قريباً تدفقاً متزايداً من الزوار القادمين من نيودلهي وبكين وطوكيو وسيول وبروكسل وخارجها.
* الرئيس التنفيذي لشركة دو كابيتال في سي، ومحاضر زائر في ريادة الأعمال، ومؤسس الغرفة الإسلامية العالمية للتجارة والصناعة عبر الإنترنت. وهو أيضاً متحدث عالمي في مجالات الاستراتيجية وتطوير الشركات الناشئة، ويُعرف برؤاه في الاقتصاد وبناء منظومات أعمال مبتكرة، وأخلاقية، وقابلة للتطوير.