الحرب وما بعدها... هل يتشكل عمقٌ استراتيجي جديد؟

نشر في 12-05-2026
آخر تحديث 11-05-2026 | 18:32
 محمد الجارالله

تاريخياً الحروب الكبرى غالباً ما تعيد ترتيب الخرائط الذهنية والتحالفات والمفاهيم التي حكمت الإقليم عقوداً وليس الواقع العسكري فقط، وربما من أهم ما كشفت عنه الحرب الحالية أنها لم تُنتج فقط أسئلة حول إيران وإسرائيل والخليج، بل فتحت سؤالاً أكبر: هل نحن أمام بدايات تشكل عمق استراتيجي جديد للعالم العربي والإسلامي؟

هذا السؤال ليس نظرياً، خصوصاً بعد التصريحات الإسرائيلية المتكررة التي وضعت تركيا في موقع «الخصم التالي». مثل هذه التصريحات لا تُقرأ بوصفها دعاية عابرة، وإنما باعتبارها نافذة على تفكير استراتيجي يتجاوز الحرب الراهنة، فعندما يبدأ الحديث في إسرائيل عن «العدو القادم» فهذا يعني أن مراكز القرار هناك ترى أن توازنات الإقليم تتغير، وأن مصادر القوة لم تعد تُختصر في الأطراف التقليدية.

تركيا وباكستان... من هامش المشهد إلى مركزه

في هذا السياق، تبرز تركيا وباكستان ليس كحليفين ظرفيين، بل كجزء من إعادة تعريف المجال الاستراتيجي للمنطقة. تركيا بقوتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية وموقعها الحاكم للمضائق هي دولة جوار، ومركز ثقل إقليمي. وباكستان ليست فقط قوة نووية، وإنما رصيد استراتيجي للعالم الإسلامي يصعب التقليل من وزنه، وقد رأينا قبوله في الوساطة الراهنة.

الجديد هنا أن النظر إلى هاتين الدولتين يجب ألا يكون من زاوية التعاون التقليدي، بل من زاوية إمكان تشكل محور توازن جديد، لا يستهدف أحداً، لكنه يفرض حسابات مختلفة على الجميع.

ومن هذه الزاوية، قد يكون من الخطأ قراءة هذا المسار باعتباره مجرد تنسيق سياسي عابر، فربما يكون أحد أهم آثار الحرب الحالية أنها دفعت باتجاه إدراك عربي وإسلامي أعمق لحاجة المنطقة إلى دوائر ردع أوسع من المعادلات التقليدية.

بل إن بعض المراقبين قد يرون أن هذا المحور المحتمل قد يصبح، مع الزمن، عامل توازن موازياً في الأهمية لما تمثله إيران في حسابات الأمن الخليجي، ولكن بمنطق مختلف: منطق الإسناد الاستراتيجي لا منطق النفوذ كما الحال لأميركا وإسرائيل.

الهند... متغير جديد لا يجوز تجاهله

ومن التطورات اللافتة التي لا ينبغي المرور عليها سريعاً، التحول في الخطاب الهندي، فالهند التي ارتبط اسمها طويلاً بإرث عدم الانحياز ودعم قضايا التحرر، تبدو اليوم أمام مراجعة عميقة في تموضعها.

تصريحات رئيس الوزراء الهندي ذات الطابع الأيديولوجي المتشدد، والدعم غير المحدود لإسرائيل، تمثل تحولاً لا يمكن تجاهله، خصوصاً أنه يأتي على مسافة بعيدة من إرث جواهر لال نهرو ومواقف الهند التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية.

الأخطر من ذلك ما يتردد عن رؤية إسرائيلية لممر استراتيجي يربط الهند بإسرائيل، وهو حديث يتجاوز الاقتصاد إلى الجيوسياسة. هذا ليس مشروعاً لوجستياً فقط، بل يحمل في طياته تصورات جديدة للنفوذ وربط المصالح، وقد تكون له آثار بعيدة على الخليج في التوازنات الإقليمية.

وهنا يبرز التناقض الصارخ: الهند تستفيد اقتصادياً واستراتيجياً من علاقات عميقة مع الخليج، وفي الوقت نفسه يتصاعد خطاب سياسي يثير أسئلة عن اتجاهاتها المقبلة. وهذه معادلة تحتاج قراءة عربية وخليجية واعية، لا ردود فعل عاطفية.

قمة إسلام آباد... لحظة تستحق التوقف

في هذا السياق، تكتسب المبادرة السعودية في جمع تركيا وباكستان ومصر في إسلام آباد دلالة تتجاوز البروتوكول السياسي. قد ينظر إليها البعض كاجتماع عابر، لكنها في تقدير أعمق قد تكون واحدة من اللحظات المؤسسة لما بعد الحرب.

أهمية هذه الخطوة ليست فقط في أطرافها، بل في رمزيتها، فهي تجمع دولاً تمثل ثقلاً عربياً وإسلامياً وشعبياً، لا مجرد حكومات، وتمثل، في توقيتها، رسالة بأن العالم العربي والإسلامي قادر على التفكير بمنطق التكتل والتنسيق، لا بمنطق رد الفعل.

وربما تكمن أهميتها في أنها لم تأت في لحظة استرخاء، بل في قلب أزمة إقليمية كبرى، ما يمنحها معنى استراتيجياً مضاعفاً.

إذا تطور هذا المسار فقد يُنظر إليه مستقبلاً باعتباره أحد أهم المخرجات السياسية للحرب الحالية، لا مجرد تفصيل جانبي في أخبارها.

نحو توازن جديد لا يقوم على المحاور المغلقة

الحديث عن تركيا وباكستان لا يعني الدعوة إلى محور مغلق أو اصطفاف جديد، بل إلى توسيع مفهوم العمق الاستراتيجي، فالمنطقة لم تعد تحتمل التفكير بمنطق التحالف الأحادي، ولا بمنطق الارتهان لمعادلات قديمة.

الفكرة الأهم أن العرب، وخصوصاً الخليج، قد يكونون أمام فرصة لرؤية أكثر اتساعاً للأمن، لا ترى في تركيا وباكستان مجرد شركاء، بل امتداداً استراتيجياً داعماً للاستقرار.

ومن المثير للتأمل أن هذه الرؤية قد تكون أقل إثارة للقلق خليجياً من مشاريع النفوذ الإقليمية الأخرى، لأنها تقوم على الشراكة لا الاختراق، وعلى التوازن لا الهيمنة.

ولهذا قد يكون من المفارقات أن تخرج من قلب الحرب الحالية بذور معادلة استقرار جديدة، بدل أن تخرج المنطقة فقط بمزيد من الخراب.

ما بعد الحرب قد يكون أهم من الحرب

ربما لا يكون الأثر الأهم لهذه الحرب في نتائجها العسكرية المباشرة، بل فيما قد تولده من إعادة تموضع كبرى.

إذا كانت إسرائيل تعلن أن تركيا «الدور عليها»، وإذا كانت الهند تعيد تعريف موقعها، وإذا كانت السعودية تفتح مسار جمع قوى إقليمية كبرى، فهذه ليست تطورات منفصلة، هذه إشارات إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة.

والسؤال الحقيقي ليس من ربح الجولة العسكرية، بل ما النظام الإقليمي الذي قد يولد بعدها؟

ربما يكون أحد أهم دروس اللحظة أن الأمن العربي لا يُبنى برد الفعل وحده، بل ببناء دوائر عمق جديدة، وإذا صح ذلك فقد يُنظر يوماً إلى التقارب العربي مع تركيا وباكستان بوصفه ليس نتيجة جانبية للحرب... بل أحد أهم التحولات التي أنجبتها.

*وزير الصحة الأسبق

back to top