حين أصبحت المقارنة سبباً في انهيار الأسرة

نشر في 11-05-2026
آخر تحديث 10-05-2026 | 19:52
 محمد جاسم الفيلكاوي

الطلاق في الشريعة لم يُشرّع عبثاً، ولا وُجد حتى يكون أول حل عند كل خلاف،  

بل شُرّع كآخر باب عندما تستحيل العِشرة وتضيع المودة والرحمة بين الزوجين.

لكن المؤسف اليوم أن البعض أصبح يدخل الزواج بخفّة... ويخرج منه بخفّة أكبر.

في السابق، كان قرار الزواج يُبنى على سؤال مهم:

«هل هذا الشخص يصلح أن يكون شريك حياة»؟

أما اليوم، فأصبح بعض الناس يبنون قرارات مصيرية على انبهار لحظي، أو علاقة سريعة، أو صورة مثالية صُنعت في مواقع التواصل.

ومن الناحية الشرعية، فإن الزواج ليس مجرد مشاعر مؤقتة، بل ميثاق غليظ، وصفه الله سبحانه بهذا الوصف لعِظم مكانته وخطورة أثره. لذلك، لم تبنِ الشريعة العلاقة الزوجية على العاطفة وحدها، بل على السكن والمودة والرحمة والصبر وتحمُّل المسؤولية.

لكن ما يحدث اليوم أن بعض العلاقات تبدأ بلا نضج حقيقي، ثم يُصدم الطرفان عند أول احتكاك بالواقع، وهنا يبدأ الانهيار السريع. خلاف بسيط يتحول إلى قطيعة، ومشكلة يمكن احتواؤها تنتهي بطلاق، وكأن فكرة الإصلاح لم تعُد موجودة أصلاً.

والأخطر من ذلك، أن البعض لم يعد يعيش حياته كما هي، بل يعيشها من خلال مقارنة مستمرة بحياة الآخرين. زوجة ترى مقطعاً لزوج يهدي زوجته أو يسافر بها، فتتساءل: لماذا زوجي ليس كذلك؟ وزوج يرى حياة غيره فيظن أن الجميع يعيش سعادة كاملة إلّا هو، بينما الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الناس لا تعرض مشاكلها خلف الكواليس، بل تعرض اللحظات التي تريد للآخرين أن يروها فقط.

هذه المقارنات أصبحت تقتل الرضا، وتخلق توقعات غير واقعية، وتجعل بعض الأزواج ينظر إلى حياته وكأنها ناقصة، فقط لأنها لا تشبه ما يشاهده على الشاشة.

ومن واقع عملي كمحامٍ، فإن أكثر ما يلفت الانتباه ليس ارتفاع نسب الطلاق فقط، بل الأسباب التي تصل بسببها بعض العلاقات إلى المحاكم. أحيانًا تكون الخلافات أقل من أن تهدم أسرة كاملة، لكن غياب الوعي، والتسرّع، وتأثير البيئة المحيطة، تجعل بعض الناس يتعاملون مع الطلاق وكأنه قرار عادي لا يترك أثراً.

بينما الحقيقة أن الطلاق لا ينتهي عند ورقة أو حكم قضائي.

هناك أطفال يتأثرون، ونزاعات تمتد، وآثار نفسية واجتماعية تبقى لسنوات.

ومن الناحية القانونية، فإن كثرة النزاعات الأسرية لم تعد مجرّد شأن اجتماعي، بل أصبحت تشكّل عبئاً متزايداً أمام المحاكم، بسبب غياب الوعي الكافي بمعنى الزواج ومسؤولياته قبل الدخول فيه.

المشكلة ليست في وجود الطلاق، فالطلاق قد يكون ضرورة أحياناً، لكن المشكلة حين يصبح أسرع من الحوار، وأسهل من الإصلاح، وأقرب من الصبر.

وفي النهاية، الزواج لا ينجح بالمشاعر وحدها...ولا يستمر بالصورة المثالية التي تعرضها الشاشات...

بل ينجح عندما يفهم الطرفان أن بناء الأسرة يحتاج وعياً قبل العاطفة، ومسؤولية 

قبل الاندفاع.

* محام

back to top