من الشعور... إلى المقام (1-4)
ونبدأ الرحلة من بابٍ قد يُساء فهمه... باب المشاعر.
لم تُخلق المشاعر فينا عبثاً، ولا للتخلُّص منها كما يُظن، في واقع اختلطت به المفاهيم، حيث يُعامل كل شعور مُثقل كخطر يجب الهروب منه، ويبحث عن راحة تشبه الغفلة أكثر مما تشبه السكون، بل جُعلت دلائل تُشير، وتنبيهات تُوقظ، وتقود الإنسان إن أحسن الإصغاء.
يقول سيدنا علي بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه: «عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ». فالبداية ليست خارج الإنسان، بل معه.
(أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ)، لأن النَّفس في ساحة صراعٍ دائم، تميل إلى ما يُضعفها ويُبعدها، ويأتي العون من الله ليُعينه على تهذيبها، وكفّها عمَّا لا يليق بها. فمحبة الله لعبده ليست منفصلة عن هذا الجهاد، بل مرتبطة به، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾.
ثم تأتي الإشارة الأعمق: (فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ)، ليس حزناً يُثقِل، ولا يأساً أو تأنيباً، بل حزن ينبع من إدراك التقصير، ورؤية ما كان يمكن أن يبلغه لو استقام طريقه. هو شعور صادق، لا يُفرض من الخارج، بل يُولد من الداخل. فالحزن هنا ليس نهاية، بل بداية يقظة... يمنع النَّفس من الانحدار، ويُوقظها من الغفلة.
ثم: (وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ)، أي جعله حالاً يُحيط به، لا لحظة عابرة. خوفٌ يكشف له مواضع الخطأ، ويمنع الانفلات، فلا يفتح باب الغرور.
وعندما يجتمع الحزن والخوف الصادق، تظهر ملامح الهداية: (فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ).
ولعل المُراد منها تلك الفطرة الموجودة لدى كل إنسانٍ، إلا أنها تزهر لدى بعضهم من دون بعض. وفيما نُقل عن أهل بيت الرسالة، في بيان أحوال القلوب على ثلاث حالات: قَلْبٌ مَنْكُوسٌ لَا يَعِي شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ، وهُوَ قَلْبُ الْكَافِرِ، وقَلْبٌ فِيه نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَالْخَيْرُ والشَّرُّ فِيه يَعْتَلِجَانِ، فَأَيُّهُمَا كَانَتْ مِنْه غَلَبَ عَلَيْه، وقَلْبٌ مَفْتُوحٌ فِيه مَصَابِيحُ تَزْهَرُ، ولَا يُطْفَأُ نُورُه إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وهُوَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ.
فالأول أُغلق عن الهداية، والثاني في صراعٍ دائم، تغلبه نفسه حيناً، ويغلبها حيناً. أما الثالث، فهو قلبٌ تألق فاستقر على طريقه، لا لأنه خالٍ من الشعور، بل أدرك، فقاده إلى النور.
وهكذا، لا تكون المشاعر عائقاً، بل باباً إذا فُهمت قادت إلى الهداية.
وللحديث امتداد... نتابعه في الجزء القادم.