ثوابت لا تُمس

نشر في 10-05-2026
آخر تحديث 09-05-2026 | 18:15
 د. نور محمد الحبشي

ليست الأمم العظيمة تلك التي تملك وفرة المال وحدها، ولا تلك التي تتسع جغرافيتها على خرائط العالم، وإنما الأمم التي تحفظ ذاكرتها، وتصون تاريخها، وتُورِّث أبناءها وعياً راسخاً بجذورها وهويتها ومسيرتها. فالتاريخ ليس ترفاً ثقافياً، بل روح الأمة الحيَّة وذاكرتها التي تبصر بها حاضرها وتستشرف بها مستقبلها.

ومن هنا، لم يكن عجيباً أن تجعل دول العالم تاريخها الوطني جزءاً أصيلاً من تكوين أجيالها، تدرِّسه في جامعاتها، وتغرسه في وجدان أبنائها، لأن الأوطان التي تُهمِل تاريخها تترك أبناءها نهباً للتيه الفكري والتشويه والانفصال عن الهوية. وفي هذا الإطار، تأتي مادة تاريخ الكويت الحديث والمعاصر في جامعة الكويت، بوصفها مادةً تأسيسية تحمل رواية الوطن ومسيرة دولته بالحكمة والثبات والتلاحم.

إن تاريخ الكويت ليس مجرَّد تواريخ وأحداث وأسماء تُحفظ، بل هو تاريخ الإمارة ذاتها، وتاريخ السند الذي قامت عليه الدولة، وتاريخ القيادة التي ارتبط بها استقرار الوطن ووحدته. هو تاريخ الرجال الذين حملوا الكويت من شاطئٍ صغير إلى دولةٍ ذات مكانةٍ وهيبة، فصار تاريخ الحكام جزءاً من تاريخ الوطن، لا ينفصل عنه، ولا يُقرأ بمعزلٍ عنه.

ومَنْ يقرأ تاريخ الكويت بإنصاف، يُدرك أن هذا الوطن لم يُبنَ بالصخب والشعارات، بل بوعيٍ سياسيٍ متزن، وبروحٍ جماعية آمنت بأن قوة الدولة في وحدتها، وأن نهضتها تبدأ من الالتفاف حول قيادتها، وصيانة مصالحها العليا. لذلك ظل التاريخ الكويتي مدرسةً وطنية تُعلِّم الأجيال معنى الانتماء الصادق، وتحصِّنهم من التطرُّف والتشظي الفكري.

وكلُّ أمةٍ في الأرض تكتب تاريخها برؤيتها، وتحفظ ذاكرتها بما ينسجم مع هويتها وكرامتها وسيادتها. تكتبه بدماء شهدائها، وصبر أسراها، وبطولات رجالها، وترويه للأجيال باعتباره جزءاً من تكوينها الوطني. والكويت ليست استثناءً، فهي تكتب تاريخها من معاركها ومواقفها الخالدة من الرقة إلى الجهراء، حيث يقف القصر الأحمر شاهداً على زمن البطولة وحماية الوطن.

لهذا، فإن رموز الدولة وقياداتها التاريخية ليست مادةً للعبث أو التشويه، فكل حاكمٍ مرَّ على الكويت هو صفحة من تاريخها السياسي والوطني، وجابر الخيرـ رحمه الله ـ سيبقى اسماً محفوراً في ذاكرة الكويتيين، بما مثَّله من حكمةٍ ودورٍ وطني كبير. وإن المساس برموز الكويت لا يعكس حُرية رأي بقدر ما يكشف خللاً في الوعي بمعنى الوطن.

وقد أثبتت الدولة، بمؤسساتها المختلفة، أنها أكثر وعياً بحماية الثوابت الوطنية وصيانة الذاكرة التاريخية، فالكويت تمضي بثقة في ترسيخ هيبة الدولة واحترام تاريخها، إدراكاً بأن العبث بالتاريخ أو الرموز مساسٌ بجوهر الهوية الوطنية.

ولم تكن مبايعة آل الصباح يوماً موضع جدل، بل قامت منذ البدايات على الرضا والتوافق، ثم تعمَّقت حتى أصبحت عقداً راسخاً في وجدان الكويتيين. وقد تجلَّت هذه الحقيقة في أحلك الظروف، حين وقف الشعب الكويتي صفاً واحداً خلف قيادته في مواجهة الغزو، فسطَّر واحدةً من أعظم صور الوفاء والوحدة في التاريخ الحديث.

 

back to top