حوكمة مياه الشرب
وضعت التحولات الجيوسياسية المتسارعة منظومات مياه الشرب في المنطقة أمام اختبار حقيقي، كشف بوضوح مكامن الهشاشة الاستراتيجية التي تعتري المنظومات المعتمدة كلياً على تحلية مياه البحر.
والمشهد الراهن أكد أن استمرارية تدفُّق المياه يظل عرضة لمخاطر تتجاوز التحديات التقنية ومتانة سلاسل الإمداد. إلا أن هذا الواقع لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاجٌ لتراكمات في أطر حوكمة تلك المنظومات.
ففي الكويت، أدّت سياسات الإنتاج والدعم الحكومي إلى ترسيخ تصوّر عام بأن المياه سلعة وفيرة، بما لا يعكس حقيقة البيئة الصحراوية وتكلفة الإنتاج، إذ تكفلت الدولة بامتصاص تقلبات أسعار الوقود التي تنعكس مباشرة على تكلفة التحلية، وعولجت محدودية المصادر الطبيعية بالتوسع المستمر في القدرات الإنتاجية، وتعزيز المخزون الإستراتيجي لاستيعاب التذبذبات الموسمية في الطلب.
فالغاية النبيلة من ذلك كانت حماية استقرار المجتمع، غير أنها كرّست فجوة بين حقيقة الواقع المائي وبين استجابة صُنّاع القرار للتحديات التي تواجه وفرة المياه، مما أنتج نهجاً مؤسسياً تركز اهتمامه على جودة المياه وتكلفة الإنتاج، والمفاضلة بين خيارات الوقود وتكنولوجيا التحلية، فيما بقي تنظيم سلوك الاستهلاك غائباً عن سياسات المياه، رغم الدور المحوري لإدارة الطلب وكفاءة الاستهلاك في تعزيز صمود المنظومة.
وهنا يبرز التقاطع بين دور وزارة الكهرباء والماء في توفير مياه الشرب، ودور الهيئة العامة للبيئة في حماية النظم البيئية بما يكفل استدامتها. فالهيئة تستمد مسؤولياتها من قانون حماية البيئة، الذي وضع القواعد لصون الموارد الطبيعية وتنظيم إدارة المياه.
ورغم أن هذا القانون لم ينصّ صراحة على كفاءة استهلاك المياه، فإن المادة السابعة منه حمّلت الهيئة مسؤولية تحقيق أهداف التنمية المستدامة، التي منها اعتبار تحسين كفاءة استخدام المياه مفتاحاً أساسياً للحد من الإجهاد المائي وضمان استدامة إمداداته.
ومن هذا المنطلق، فإن الهيئة التي مارست بالفعل دوراً تنظيمياً فيما يتعلق بكفاءة استهلاك الطاقة إنفاذاً لمواد القانون السالف الذكر، هي المعنيّة اليوم بالدفع نحو توسيع نطاق كفاءة الاستهلاك ليشمل المياه. فالاكتفاء بالرقابة النوعية يُغفِل الركيزة الحقيقية لصمود منظومات المياه، والمتمثلة في حماية الكمية من الاستنزاف وإدارة الطلب عبر أدوات مُلزمة.
ومع ما شهدناه من تهديدات إقليمية، لم يعُد الفراغ التنظيمي في سياسات المياه مجرد فجوة إجرائية، بل أصبح ثغرة استراتيجية تحدّ من مرونة المنظومة وتقيد قدرتها على التكيّف مع الصدمات. وهو ما يستدعي تكثيف الجهود التنظيمية لإدماج كفاءة الاستهلاك ضمن التشريعات واللوائح التنظيمية، بما يعزز متانة واستدامة منظومة مياه الشرب.
* دكتوراه في نظم الطاقة من كلية لندن الجامعية (UCL) وباحث متخصص في تقاطع ملفات الطاقة والمياه والتنمية المستدامة.