القضاء والقدر

نشر في 08-05-2026
آخر تحديث 07-05-2026 | 19:08
 مهدي عبدالستار

القضاء والقدر والإيمان بهما من ركائز الإيمان لكل مسلم، وهو الركن السادس من أركان الإيمان في دين الإسلام، ويعني التصديق الجازم بأن كل ما يقع في الكون من خير أو شرّ إنما هو بتقدير الله عزّ وجلّ، وهو قطعا بعلمه، وواقع تحت مشيئته. 

ومن لم يفهم قضية القضاء والقدر فهما صحيحا قد يقع في إشكالية عقدية تربك الإيمان في قلبه وتورثه شكّا قد يستغله الشيطان في زعزعة إيمانه بالله، عياذا بالله.

وأخطر باب فيه هو السؤال الشيطاني: كيف يقضي الله على خلقه أفعال الشر ثم يعاقبهم عليها بالعذاب في النار؟!

ولعل الآية قبل الأخيرة في سورة الإنسان حلّت هذه الإشكالية بكل سهولة وبساطة «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا» (سورة الإنسان - الآية 30)، كان ولا يزال سبحانه.

وبناء على علم الله السابق لكل شيء (ما كان وما هو كائن وما سيكون إلى يوم الدين) كتب مقادير الخلق من أفعالهم التي سيُحدثونها بمحض اختيارهم وما سيقع عليهم من ابتلاءات واختبارات يوجبها عليهم لتكشف حقيقة معادنهم (طيبةً أو خبيثة).

والقضاء هو كل ما حكم الله تعالى به على العباد بناء على علمه الأزلي السابق لكل شيء، فكل الأحداث والأزمان في علم الله هي ماض، وليس في علمه سبحانه حاضر ولا مستقبل، وتدبيره للأشياء أزلاً، والقضاء هو تنفيذ هذا التدبير ووقوعه في الوقت المحدد له.

وقضت حكمة الله تعالى أن القضاء ممكن تغييره، كالآجال مثلاً، يمكن أن تتغير كما في قوله صلى الله عليه وسلم «مَن أراد أن يُبارَك له في رزقه ويُنسَأ له في أثره (يطول عمره) فليَصل رحمه».

وبيّن رسولنا الكريم في الحديث عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إن العبد ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه، وإن القضاء لا يردّه إلّا الدعاء، وإن الدعاء مع القضاء يعتلجان إلى يوم القيامة، ، فالله قد يقدّر أشياء، ويدفعها بأشياء، يقدّر أشياء ويدفعها بالدعاء، وبالصدقات، وبالأعمال الصالحات، ويجعل هذا دافعًا لها بقدرته.

وأما القدر فهو دخول القضاء حيّز التنفيذ، ولذلك علّمنا صلى الله عليه وسلم أن نقول عند وقوع القضاء (قدَّر الله وما شاء فعل) والإيمان بالقضاء والقدر، كما يقول أهل العلم على أربع مراتب هي:

العلم: وهو الإيمان بأن الله علم كل شيء جملة وتفصيلاً قبل حدوثه.

والكتابة: وهي الإيمان بأن الله كتب كل المقادير في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض.

والمشيئة: وهي الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يحدث شيء بغير إرادته سبحانه.

والخلق: وهو الإيمان بأن الله هو خالق كل شيء، بما في ذلك أفعال العباد. 

وللعبد مشيئة واختيار في أفعاله، لكنّها لا تخرج عن مشيئة الله وقدرته.

ولذلك كان الإيمان الصحيح بالقَدَر يورث الطمأنينة والرضا بما يقسمه الله، فلا يندم الإنسان على ما فاته، ولا ييأس من تحصيل ما يتمنّى، وأن يسعى لتغيير واقعه للأفضل ما دام موقنا أنه لا يحدث في كون الله إلا بمراد الله، وأن كل ما يحدث إنما هو لحكمة عظيمة قدّرها الحكيم الخبير.

 

back to top