النوم عن بُعد!

نشر في 08-05-2026
آخر تحديث 07-05-2026 | 19:03
 د. محمد عبدالرحمن العقيل

نشكر جهود وزارة التربية على عودة المرحلة الثانوية إلى مسارها الأول، وفكرة - تركيز المنهج - بعد هذا الانقطاع. فقد أعادت للتعليم وجهه الإنساني الحي. وعاد الطلبة إلى مقاعدهم، وعادوا لروح التعليم الذي نعرفه ونعرف كيف نقيّم أداءه.

لقد أثبتت التجارب السابقة أثناء جائحة «كورونا» فشل نظام - التعليم عن بُعد - وضعف مخرجاته، فهو نظام مساند لا أكثر، ولا يصلح أن يكون بديلاً كلياً للنظام الرسمي، خصوصاً في المراحل الأولى، وفي مجتمع لم يتقن أساليب التدريس والتقييم عن بُعد... فالحضور الوجاهي ليس مجرد خيار تقليدي، بل ضرورة تربوية لا يمكن أن يستبدل بشيء آخر في يوم وليلة، ففي الصف يُبنى الفهم على التفاعل الحضوري الحي، فتكون الدراسة أكثر جدية، وتُقرأ ملامح الفهم أو الحيرة في العيون قبل الكلمات. أما التعليم عن بُعد فهو، للأسف، لم يُطبّق بشكل صحيح رغم مزاياه، ولابد أن ندرك أنه - تعليم مساند - ولايزال يحتاج إلى إعداد خاص، وانضباط مختلف، وأدوات تقييم لا تُقاس بمعايير الدراسة الحضورية.

إن تقليص المنهج - مع حضور الطلبة واختبارهم، أفضل بكثير من تدريس مقرر كامل بشكل صوري يُقيّم طلابه ويمتحنهم عبر الأثير... ثم يعطيهم شهادات فخرية بنسب عالية.

وفي هذا المقام، أذكر لكم ما رواه لي أحد الزملاء، عن أهمية - التعليم عن قرب - وفن التلخيص، يقول: «كنت ضعيفاً جداً في الدراسة، لا أنجح من أول مرة، بل أدخل الدور الثاني، وربما أعيد السنة. وكان ذلك في أواخر السبعينيات، عندما كنت أحضر للصف الأول الثانوي بسيارتي (الشّفر البيضاء) حين كان السقوط على درجة أو درجتين. ومع ذلك، لم يكن الفشل يُثنيني، بل كنت أمتلك شيئاً لم أفهمه آنذاك: (إصراراً لا يفتر)».

ثم يضيف: «عرفت لاحقاً أن لديّ ما يُسمّى اليوم بصعوبات التّعلم، فلم تكن المشكلة في استيعاب المعلومة، بل في طريقة وصولها إلي. كنت بحاجة إلى أسلوب مختلف، إلى شرحٍ يُخاطبني أنا، لا غيري».

وتابع «وهنا تبرز أهمية المعلم - المتمكن - الذي يفهم طبيعة طلابه. فقد أشار علي أحد زملائي المتعثرين، الذين ربما كانوا يعانون مثلي من بُطء التعلم، أن آخذ دروساً عند الأستاذ (أسامة) الفلسطيني... والمبهر في هذا الأستاذ أنه لم يكن متخصصاً في مادة بعينها، بل كان قادراً على شرح أي مادة في الدنيا، وتبسيط أعقد الأفكار، وكأن العلم بين يديه عجينةٌ لينة يُشكّلها كما يشاء».

وأوضح أن سرّه كان في «التلخيص»، فكان يختصر لنا المنهج في عشرين صفحة تضمن لنا النجاح، وربما في اثنتي عشرة صفحة في بعض المواد، لكنها لم تكن تلخيصات عابرة، بل خلاصة فهمٍ عميق، يدلك على زبدة القول، وخبرة في كشف أسلوب الأسئلة... يقول زميلي: «كانت كالوصفة السحرية، لا بد أن تؤتي أكلها».

عزيزي القارئ، إنّ استئناف الدراسة حضورياً، مع تركيز المحتوى العلمي وعودة الاختبارات الورقية، هي آخر ضمان لنا لإكساب الطالب الحدّ الأدنى من المعرفة.

 

back to top