دراسة: مَن يتحمل كلفة استقرار الطاقة في الاقتصاد العالمي؟

السعودية و«أوبك» تدفعان الثمن... والعالم يجني العوائد

نشر في 08-05-2026
آخر تحديث 07-05-2026 | 18:51
 طارق الوزان

العالم يريد أسعار نفط مستقرة، لكنه نادراً ما يتوقف ليسأل: مَن يدفع ثمن هذا الاستقرار؟

فالنقاش حول منظمة OPEC غالباً ما يُختزل في سؤال بسيط: هل ترفع الأسعار أم لا؟ بينما الحقيقة الأعمق هي أن سوق النفط لا يعمل كسوق عادي، وأن استقراره لا يتحقق تلقائياً عبر العرض والطلب، بل عبر تدخلات سيادية مكلفة، وقرارات إنتاجية معقدة، وطاقة فائضة تُدار كصمام أمان للاقتصاد العالمي.

واليوم، ومع تجاوز الطلب العالمي على النفط 104 ملايين برميل يومياً وفق تقديرات International Energy Agency، أصبحت حساسية السوق تجاه أي اضطراب أكبر من أي وقت مضى.

السؤال الحقيقي لم يعد فقط كيف تتحرك الأسعار، بل من يتحمل كلفة منع السوق من الانهيار عندما تتصاعد الأزمات أو تتعطل الإمدادات.

المشكلة ليست في النفط وحده

الجدل حول «أوبك» لا يتعلق بالنفط وحده، بل يكشف عن منطق أعمق يحكم الاقتصاد العالمي.

ففي قطاع النفط، يُنظر إلى تنسيق الإنتاج باعتباره سلوكاً احتكارياً، بينما يُعاد تعريف التركّز الاقتصادي في قطاعات أخرى بصورة مختلفة، ففي التكنولوجيا يُبرَّر بالابتكار، وفي الصناعات الدفاعية بالأمن القومي، وفي الأدوية بحماية البحث والتطوير.

هذا التباين لا يعكس اختلافاً جوهرياً في السلوك الاقتصادي بقدر ما يعكس موقع كل قطاع داخل منظومة القوة العالمية.

بعبارة أوضح:

القواعد الاقتصادية ليست واحدة للجميع، بل تتغير وفقاً لموازين النفوذ والمصالح.

فالاقتصاد العالمي لا يُدار بالقواعد وحدها، بل عند تقاطع الاقتصاد بالسياسة، والسوق بالقوة الجيوسياسية.

لماذا تستطيع الدول ما لا تستطيع الشركات فعله؟

شركات النفط الكبرى مثل ExxonMobil وChevron وShell وBP لا تستطيع قانونياً الاتفاق على خفض الإنتاج أو تثبيت الأسعار، لأن ذلك يُعد تواطؤاً صريحاً وفق قوانين المنافسة.

لكن أوبك ليست شركة، بل منظمة تضم دولاً ذات سيادة.

وهنا يظهر الفرق الجوهري:

الفعل نفسه يُعد غير قانوني إذا قامت به الشركات، لكنه يُعتبر قراراً سيادياً إذا قامت به الدول.

ولهذا، فإن اختزال أوبك باعتبارها مجرد «كارتل تجاري» يتجاهل واقعاً أكثر تعقيداً، لأنها ليست تجمعاً لشركات خاصة تبحث فقط عن تعظيم الربح، بل إطاراً سيادياً تتقاطع داخله السياسة بالطاقة والاقتصاد بالأمن القومي والاستقرار المالي.

هل أوبك احتكار؟

الإجابة الدقيقة: لا، لكنها ليست سوقاً حرة بالكامل أيضاً.

«أوبك» لا تسيطر على كامل الإنتاج العالمي، فهناك منتجون كبار خارجها مثل United States وCanada وBrazil وNorway. لكنها تمتلك قدرة مؤثرة على تشكيل توقعات السوق، وهو عامل لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه.

فوفقاً لبيانات EIA  تنتج دول أوبك نحو%35 من النفط الخام العالمي، بينما تمثل صادراتها قرابة%50 من النفط المتداول دولياً، وقدّرت إيراداتها النفطية بنحو 550 مليار دولار خلال عام 2024.

لكن السوق النفطي لا يُسعّر فقط البرميل الموجود اليوم، بل البرميل المتوقع غداً.

ولذلك، فإن قوة أوبك لا تكمن فقط في حجم الإنتاج، بل في قدرتها على التأثير في التوقعات وإرسال إشارات حول العرض والمخاطر والاستعداد للتدخل عند الحاجة.

بمعنى آخر:

أوبك لا تملك السوق بالكامل، لكنها تؤثر بوضوح في اتجاهاته واستقراره.

لماذا لا يعمل السوق الحر الكامل في النفط؟

النظرية الاقتصادية تفترض أن السوق الحر يحقق التوازن تلقائياً، لكن النفط يختلف جذرياً عن معظم السلع الأخرى.

فالاستثمار النفطي طويل الأجل وكثيف رأس المال، ولا يمكن زيادة الإنتاج أو خفضه بسرعة. 

وعندما تنهار الأسعار، لا يتوقف الإنتاج فوراً، لكن الاستثمارات الجديدة تتراجع، ما يؤدي لاحقاً إلى نقص في الإمدادات وارتفاع حاد في الأسعار.

وهكذا تتكرر الدورة التاريخية المعروفة في سوق النفط:

انهيار أسعار، ثم تراجع استثمار، ثم نقص إمدادات، ثم ارتفاع حاد.

وفوق ذلك، فإن النفط ليس مجرد سلعة تجارية، بل عنصر أساسي في استقرار الاقتصاد العالمي يمتد أثره إلى النقل والصناعة والغذاء والتضخم وسلاسل الإمداد.

كما تشير بيانات EIA  إلى أن الجزء الأكبر من تجارة النفط العالمية يمر عبر ممرات بحرية استراتيجية شديدة الحساسية، ما يجعل السوق أكثر عرضة للصدمات الجيوسياسية وتعطل الإمدادات.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية:

الجميع يدافع عن السوق الحر، لكن لا أحد يريد تحمل نتائجه الكاملة.

فالدول المستهلكة لا تريد تقلبات حادة، والشركات لا تريد بيئة استثمارية مضطربة، والمنتجون لا يريدون انهيار الإيرادات.

ولهذا، فإن الواقع العملي ليس سوقاً حرة بالكامل ولا احتكاراً كاملاً، بل سوقاً تُدار بدرجات متفاوتة لتحقيق الاستقرار.

والحقيقة غير المعلنة هي أن العالم لا يريد سوق نفط حرة بالكامل، بل يريد سوقاً مستقرة.

السعودية وكلفة الاستقرار

تلعب المملكة العربية السعودية دوراً فريداً في سوق النفط العالمي يُعرف اقتصادياً بدور «المنتج المرجّح». 

وهذا الدور لا يقوم فقط على حجم الإنتاج، بل على امتلاك طاقة إنتاجية كبيرة ومرونة تشغيلية عالية وقدرة على زيادة أو خفض الإنتاج بسرعة نسبية بما يؤثر مباشرة في توازن السوق.

لكن هذا الدور ليس مجانياً.

فعندما تخفض السعودية إنتاجها لدعم استقرار الأسعار، فهي تتخلى عن إيرادات مباشرة. وعندما تحتفظ بطاقة إنتاجية فائضة، فإنها تتحمل تكاليف استثمارية وتشغيلية مستمرة دون تحقيق عائد فوري.

فالطاقة الفائضة ليست مجرد احتياطي إنتاجي، بل أداة استراتيجية تمنح السوق ثقة بأن هناك طرفاً قادراً على التدخل عند حدوث اضطرابات كبيرة.

وتُقدَّر الطاقة الفائضة السعودية بأكثر من 2.5 مليون برميل يومياً، وهي الأكبر عالمياً بفارق واضح. وعند متوسط سعر 75 دولاراً للبرميل، فإن قيمة الإيرادات غير المحققة من هذه الطاقة تتجاوز 68 مليار دولار سنوياً.

هذه القيمة لا تُسجل كخسارة محاسبية مباشرة، لكنها تمثل تكلفة استراتيجية فعلية لاستقرار السوق العالمي.

بمعنى آخر:

الطاقة الفائضة تشبه بوليصة تأمين غير معلنة للاقتصاد العالمي.

العالم يستفيد منها عند الأزمات، والأسواق تبني عليها تسعير المخاطر، بينما لا توجد آلية دولية واضحة لتوزيع كلفة هذه «البوليصة» على المستفيدين منها.

وهنا تكمن المفارقة:

الطرف الذي يحتفظ بالطاقة الفائضة يتحمل الكلفة، بينما يستفيد منها الجميع.

إعادة توزيع القيمة في سوق النفط العالمي

غالباً ما يُختزل النقاش حول أسعار الطاقة في سعر برميل النفط الخام، رغم أن الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية لا يتحقق عند استخراج النفط، بل بعده.

فالنفط الخام لا يمثل سوى بداية سلسلة طويلة تشمل التكرير والبتروكيماويات والنقل والتوزيع والتداول المالي، ثم الضرائب المفروضة على الاستهلاك النهائي.

ووفقاً لبيانات EIA، تنتج دول أوبك نحو%35 من النفط العالمي وتمثل قرابة%50 من صادرات النفط المتداولة دولياً، فيما قُدّرت إيراداتها النفطية بنحو 550 مليار دولار خلال عام 2024.

لكن القيمة الإجمالية لسوق الطاقة والمنتجات النفطية عالمياً تُقدَّر بما بين 3.5 و4.5 تريليونات دولار سنوياً، ويتحقق جزء كبير منها داخل الاقتصادات الصناعية عبر التكرير والخدمات اللوجستية والتسويق والضرائب والصناعات المرتبطة بالطاقة.

وتُظهر بيانات International Energy Agency وOrganisation for Economic Co-operation and Development أن الضرائب والرسوم تمثل ما بين 40% و60% من السعر النهائي للبنزين والديزل في العديد من الاقتصادات المتقدمة، بل تتجاوز أحياناً قيمة النفط الخام نفسه داخل السعر النهائي للمستهلك.

وفي عام 2023، جمع European Union نحو 261 مليار يورو من ضرائب الطاقة، بينما بلغت إيرادات ضرائب الوقود في  ألولايات المتحده قرابة 89 مليار دولار سنوياً.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية:

الدول المنتجة تبقى في واجهة الجدل السياسي المرتبط بأسعار النفط، بينما تتحقق أجزاء كبيرة من الإيرادات النهائية لاحقاً داخل الاقتصادات المستهلكة عبر الضرائب وسلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة.

فأوبك تؤثر في بداية السوق، لكن الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية النهائية يتشكل لاحقاً داخل الاقتصادات الصناعية عبر الضرائب والخدمات وسلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة.

كما أن الاستقرار الذي تساهم فيه أوبك لا يقتصر أثره على الدول الأعضاء، بل يمتد إلى المنتجين خارجها، وشركات النفط العالمية، وشركات الخدمات النفطية، وسلاسل الإمداد، والمستثمرين العالميين.

وعندما تقوم «أوبك» أو «أوبك+» بخفض الإنتاج بهدف دعم الأسعار وتقليل التقلبات، فإن الأثر لا يقتصر على الدول الأعضاء، بل يخلق بيئة سعرية أكثر استقراراً يستفيد منها الجميع، بما في ذلك المنافسون.

وهنا تتجلى إحدى أهم مفارقات سوق النفط:

الاستقرار يُنتج جماعياً، لكنه لا يُموّل جماعياً.

وهذا ما يُعرف اقتصادياً بمفهوم «الراكب المجاني»، حيث تستفيد أطراف من نتيجة جماعية دون أن تتحمل نصيبها من التكلفة.

من تحمّل العبء إلى تقاسم العوائد

على مدى عقود، تحملت الدول المنتجة للنفط، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية العبء الأكبر في استقرار سوق الطاقة العالمي. 

فهي التي خفّضت الإنتاج عند الفائض، وزادت الإمدادات وقت الأزمات، واحتفظت بطاقة إنتاجية فائضة مكلفة تُستخدم لحماية السوق عند الاضطرابات.

لكن السؤال اليوم:

هل من العادل أن تتحمل الدول المنتجة كلفة الاستقرار، بينما تستفيد اقتصادات وشركات عالمية كبرى من هذا الاستقرار دون مشاركة متوازنة في العبء أو العائد؟

من هنا، يبرز تحول استراتيجي أكثر عدالة: الانتقال من نموذج «تحمّل العبء» إلى نموذج «تقاسم القيمة».

فالمنتجون الذين يحمون السوق من الفوضى لا ينبغي أن يبقوا مجرد مورّدي خام، بل شركاء في كامل سلسلة القيمة العالمية، من الإنتاج والتكرير إلى التكنولوجيا والاستثمار والأسواق النهائية.

ولهذا، لم يعد كافياً الاكتفاء بدور المصدّر التقليدي، بل أصبح من الطبيعي إعادة التموضع كشريك استثماري داخل منظومة الطاقة العالمية، عبر بناء تحالفات طويلة الأجل مع China، وإنشاء محافظ استثمارية ضخمة يتم عبرها إعادة توجيه رؤوس الأموال نحو أصول استراتيجية وشركات عالمية مثل ExxonMobil وChevron وShell وBP.

فمن يتحمل كلفة استقرار السوق يجب أن يكون شريكاً في العوائد التي يصنعها هذا الاستقرار، لا مجرد ممول غير مباشر للنظام الاقتصادي العالمي.

الخلاصة

سوق النفط ليس سوقاً حرة بالكامل، ولا احتكاراً كاملاً، بل نظام اقتصادي وسياسي معقد يُدار بهدف تحقيق الاستقرار.

لكن هذا الاستقرار ليس مجانياً، بل له كلفة حقيقية تتحملها أطراف محددة، بينما يستفيد منه الاقتصاد العالمي بأكمله.

وفي عالم يزداد فيه الترابط بين الطاقة والاقتصاد والسياسة، قد لا يكون السؤال الأهم هو من يملك النفط، بل من يملك القدرة — والاستعداد — لتحمل كلفة استقرار النظام النفطي العالمي عندما تهتز الأسواق وتتصاعد الأزمات.

فالتاريخ لا يتذكر فقط من أنتج النفط، بل يتذكر أيضاً من منع العالم من الانهيار عندما اهتزت أسواق الطاقة.

* باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية

 

back to top