افتتاحية: الصين... بين حسابات المصالح وحدود المبادئ

نشر في 07-05-2026
آخر تحديث 06-05-2026 | 21:05
No Image Caption

نتفهم أن الصين دولة كبرى لا يملي عليها أحد ما تفعله، وأن لها علاقات متعددة مع أطراف قد تبدو متباعدة إلى حد التناقض، وأن المصلحة هي التي تحركها، كما تحرك سائر الدول الكبرى، كما نتفهم أن من حقها أن تكون لها علاقاتها مع طهران، وعليه تحاول بكين حماية حليفة استراتيجية مهمة لها في الشرق الأوسط فتدافع عنها بأحدث ما وصلت إليه عقولها التكنولوجية، كل ذلك قد نتفهمه مختارين أو مضطرين، راضين أو آسفين، وتجبرنا طبيعة العلاقات والمصالح بين الدول على التسليم بقبوله... لكن الذي لا نتفهمه، ولا يمكن أن نتقبله بأي حال، أن تقدم الصين أحدث وأقوى أنظمتها العسكرية إلى إيران، وهي تعلم تمام العلم، أن تلك الأسلحة تسخر طهران أغلبها وأشدها تطوراً للاعتداءات الآثمة على المنشآت المدنية والمرافق الحيوية في مجلس التعاون الخليجي، حتى أثناء وقف إطلاق النار ـ كما يحدث الآن مع دولة الإمارات الشقيقة.

كيف يمكن لبكين ـ وفقاً لمنطق المصلحة الأعلى صوتاً والأكثر إقناعاً- أن تضرب عُرض الحائط بعمق علاقاتها الاستراتيجية القديمة مع دول مجلس التعاون، متغاضية عن سوق خليجي واعد لمنتجاتها، وعن مئات المشاريع الكبرى التي تربطها بدولنا، فتسمح لإيران باستخدام التكنولوجيا العسكرية الصينية ضدنا... في تصرف مستنكر ومستغرب من دولة كبرى كنا نعول عليها لضبط جموح القوى المتهورة في المنطقة؟!... غير أن الطامة الكبرى أن تكون الصين ـ وغير الصين ـ قد أمنت ردة فعلنا، وبات راسخا في قناعاتها أن سياستنا واحدة لن تتغير مهما أصابنا من شرها وشررها، وأننا سنكتفي بالانطواء على الذات، مكتفين بالاستنكار والاستغراب والإدانة، لتعود العلاقات معها كما كانت عليه بلا معكر أو مغير. 

كان على الصين ـ انطلاقاً من مصلحتها وانطلاقاً من نزاهتها ومن علاقاتها الاقتصادية العميقة والواسعة مع دول الخليج العربي – أن تقصر استخدام أسلحتها لدى إيران على إسرائيل التي بدأت الحرب، لا على دول أعربت في أكثر من مرة عن رفضها لهذه الحرب التي تهدد أمنها واستقرارها، أما أن تتساوى في أعين بكين دول مسالمة مع كيان محتل غاصب حريص على بث الفتن والشرور والحروب في المنطقة... فهذا ما لا يقول به عاقل أو منصف، وهذا ما لم نكن ننتظره من حليف ردد الكثيرون منا ضرورة تقوية علاقاتنا معه في ظل المتغيرات العالمية في العقود الأخيرة. 

والآن مع قرب تقديم مشروع قرار أميركي - خليجي إلى الأمم المتحدة لضمان العبور الآمن للسفن من مضيق هرمز الذي جعلته إيران مستودعاً للبارود والألغام، نتمنى ألا تكرر بكين خطيئتها التي أقدمت عليها في مجلس الأمن حينما انبرت لاستخدام «الفيتو» ضد مشروع القرار الأممي الذي قدمته البحرين والأردن إلى مجلس الأمن بشأن فتح المضيق وحماية الملاحة فيه، نتمنى منها ذلك لاسيما أنها هي نفسها ستكون من أوائل المستفيدين من الفتح لعودة ضخ النفط إلى مصانعها الحيوية التي يقوم عليها اقتصادها وصناعتها. 

ولتتذكر الصين ـ وإن كنا نظن أنها ليست بحاجة إلى من يذكّرها ـ أنها كانت راعية وضامنة لـ «اتفاق بكين» الذي شهد عودة العلاقات بين الشقيقة السعودية والجارة إيران عام 2022، والذي نصت بنوده على احترام سيادة الدول، ووحدة أراضيها، واستقلالها، والحفاظ على الأمن المتبادل بين البلدين، فهل ترى بكين أن هذا قد تحقق، وهل ترى أن طهران التزمت بذلك الاحترام وتلك السيادة؟

back to top