وجهة نظر: السوق الخليجية المشتركة عند مفترق الطرق
خيار التكامل... أو المزيد من الفرص الضائعة
لعل السؤال الحاضر الغائب في الوقت الراهن، وفي ضوء الأحداث السياسية المأساوية، هو كيف تعيد دول مجلس التعاون الخليجي رسم الاقتصاد العام عبر الشراكة الحقيقية؟ وهل هي بداية لإنشاء السوق الخليجية المشتركة؟ ومن وجهة نظري إنها لحظة تحول لا رجعة فيها!
وعلى مدار أكثر من عقدين من العمل في مجال التنمية الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، تكرر مشهد واحد من خلال أزمة خارجية (جائحة كورونا، الحرب الإيرانية الخليجية، تراجع نفطي بسبب إغلاق مضيق هرمز) تلتها دعوات عاجلة للإصلاح، ثم عودة جزئية إلى الممارسات القديمة بمجرد تحسن الأسعار.
لكن ما يشهده العالم اليوم من تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة، يفرض على دول المجلس خياراً واحداً لا ثاني له وهو تحويل الأزمة السياسية والاقتصادية إلى فرصة حقيقية للاستدامة، والبدء بتطوير خطط وسياسات لإنشاء السوق الخليجية المشتركة، وتحويل الحلم لكل مواطن خليجي الى واقع ملموس لا إلى مجرد مناورة تفاعلية، وما يؤكد ضرورة هذه الخطوة هو أن حجم التبادل التجاري البيني قد تجاوز 146 مليار دولار عام 2024 بمعدل نمو سنوي بلغ%9.8، مما يعكس وجود فرص استثمارية واسعة أمام القطاع الخاص لم تستغل بعد.
وعليه لم يعد السؤال هل ننوع اقتصادنا الخليجي؟ بل كيف ننوعه بسرعة وعدالة، وبآليات تشرك القطاع الخاص كشريك أساسي لا كمستهلك ثانوي للعقود الحكومية؟ والإجابة، كما أثبتت تجارب دول ناجحة مثل سنغافورة، تكمن في إعادة هندسة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتكاملة، وعلى رأسها الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص والتركيز على النوعية لا الكمية.
ومما تقدم نستعرض مجموعة من السياسات الاقتصادية التنموية كما يلي:
أولاً: يجب تحويل تطبيق السياسات من رد الفعل إلى الاستباقية، ولذلك لا يمكن الحديث عن استدامة اقتصادية دون معالجة ثلاث حلقات متشابكة:
1. السياسات الاقتصادية يجب أن تنتقل من مفهوم إدارة الريع إلى بناء سلاسل ذات قيمة منتجة، وهذا يعني استبدال الدعم العشوائي للطاقة بتمويل مباشر للصناعات التحويلية والتقنيات الخضراء، فقد أنفقت الصناديق السيادية الخليجية (سبعة صناديق رئيسية) ما يزيد قليلاً على 125 مليار دولار في عام 2025، بمتوسط عائد على رأس المال بلغ%6.5. وتحويل هذه الصناديق من مستثمر سلبي إلى محرك وطني للمشاريع المشتركة عالية العائد هو مطلب ملح.
2. تطوير السياسات الاجتماعية، حيث يلاحظ أن الخطر الأكبر ليس انخفاض أسعار النفط، بل ارتفاع توقعات المواطن «المستهلك» في غياب الإنتاج، فالتجربة الخليجية ترسخ أن الإعانات غير المشروطة قتلت المبادرة، لذا فإن الحل الأمثل هو تطوير عقود اجتماعية جديدة تمنح الدعم مقابل التدريب والتوظيف الفعلي، وتحويل نظرة الشباب من الوظيفة الحكومية إلى ريادة الأعمال والمشاركة في مشاريع وطنية كبرى. وفي هذا السياق، حققت سلطنة عمان قفزة نوعية بوصول عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى أكثر من 130 ألف مؤسسة، بينما تصدرت الإمارات العالم للعام الرابع على التوالي في تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال، متفوقة في 11 مؤشراً رئيسياً.
3. تحسين سياسات الحوكمة فلا يمكن للاستدامة أن تنمو في بيئة غامضة، ولقد كان ذلك الأثر واضحاً أثناء أزمات السيولة السابقة (جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط)، كما أن المؤسسات التي نجحت هي التي طبقت الشفافية في عقود الشراكة، وأنشأت وحدات مستقلة لتقييم المخاطر، وأشركت المجالس الاستشارية والكفاءات الشابة في صياغة السياسات، لا في تنفيذها فقط.
ثانياً: من الضروري تحسين الشراكة بين القطاعين، وهي الآلية المهدورة، حيث إن القطاع العام الخليجي يمتلك المال والرؤية طويلة الأجل، والقطاع الخاص يمتلك السرعة والابتكار وإدارة المخاطر، لكن الواقع يشير إلى وجود فجوة من خلال مشاريع عملاقة بتمويل حكومي كامل، أو عقود تشغيل قصيرة الأجل لا تبني قدرات وطنية، لذلك فإن الانتقال المطلوب يمكن أن يختزل إلى ثلاثة نماذج راسخة كما يلي:
1. الاستفادة من الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث تقوم الحكومة بتقديم تمويل لشبكات النقل والبنية الأساسية، وفي الجانب الآخر شركات خاصة عالمية ومحلية تدير التقنية والتسويق، مقابل حصة مضمونة من العوائد واتفاقيات شراء طويلة الأجل، ويتجسد هذا التوجه في أن دول المجلس تحتاج إلى استثمار يقدر بـ 60 مليار دولار بين 2025 و2030 لإضافة 102 غيغاوات من الطاقة المتجددة، ولعل تجربة مدينة الملك سلمان للطاقة في السعودية – سبارك - نموذج أولي يمكن تعميمه، رؤية المملكة العربية السعودية 2030.
2. تطوير مفهوم المدن الذكية واللوجستية من خلال مشاريع هيئات حكومية تمنح الأراضي والحوافز التنظيمية، وشركات تقنية متخصصة (محلية وعالمية) تطور البنية الرقمية وتدير المناطق الحرة، مع شرط التوطين التدريجي للوظائف التقنية، ويعتبر ميناء جبل علي بدبي و«مدينة مصدر» مثالين يحتذى بهما، وكذلك مشروع الربط الكهربائي الخليجي الذي تجاوزت استثماراته 1.5 مليار دولار، وحقق وفورات تجاوزت 3 مليارات دولار، ويجسد قدرة العمل المشترك على خلق فوائد ملموسة.
3. إن تعزيز أهمية قطاع الأمن الغذائي وقطاع الصناعات الدفاعية هام ومطلوب، حيث إن هذين المجالين حساسان ويتطلبان شراكة إجبارية، فالحكومة تقدم عقود شراء مضمونة لعشر سنوات، مقابل أن يلتزم القطاع الخاص بنقل التقنية وتدريب الكوادر الوطنية وتأسيس صناعات مساندة محلية، فقد ارتفعت نسبة توطين الإنفاق العسكري بالسعودية إلى%24.89 في 2024، مع هدف طموح للوصول إلى%50 بحلول 2030، أما في قطاع الغذاء فرغم اعتماد دول الخليج بنسبة 80 -%90 على الواردات الخارجية لكنها تتصدر الدول العربية في مؤشر الأمن الغذائي العالمي، حيث حلت الإمارات بالمرتبة الأولى عربياً بمستوى 75.2، مما يؤكد الحاجة إلى شراكات تعزز هذا المكسب.
ثالثاً: من أهم مقومات تعزيز وتقوية السوق الخليجية المشتركة هو تحسين فرص العمل، حيث إن هذا الهدف أساسي ولا يقبل المساومة، كما أن الدراسات والأبحاث الميدانية تؤكد أن المشاريع المشتركة بين القطاعين العام والخاص تخلق ثلاثة أضعاف فرص العمل عالية القيمة مقارنة بالمشاريع الحكومية التقليدية، بشرط أن تُربط عقود التمويل والتسهيلات بمعايير توطين صارمة وقابلة للقياس، ويلاحظ أن دور القطاع الخاص مسؤول بشكل تام عن الآتي:
• على القطاع العام أن يشترط ألا تقل نسبة القيادات الوطنية في المشروع عن%40 خلال ثلاث سنوات على الأقل.
• على القطاع الخاص أن يتحمل مسؤولية برامج تدريب مستمرة معتمدة، وليس مجرد دورات وهمية.
وتشير الدراسات إلى أن تطبيق هذا النموذج في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات بدول المجلس أدى إلى مضاعفة نسبة العمالة الوطنية التقنية خلال خمس سنوات، وهو ما يمكن تكراره في اللوجستيات والطاقة المتجددة والصناعات الدوائية. والأرقام تؤكد جدوى ذلك، فقد زاد عدد الكوادر الوطنية العاملة في القطاع الخاص السعودي إلى 2.5 مليون مواطن، وارتفع عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص الإماراتي إلى أكثر من 176 ألفاً.
وفي الختام، وتنفيذاً لاقتراح إنشاء «الصندوق الخليجي لتطوير الشركات» كآلية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع، فإن الأداء القوي للصناديق السيادية الخليجية التي ضخت 5 صناديق رئيسية، منها نحو 82 مليار دولار في 2024، أي أكثر من%60 من إجمالي استثمارات الصناديق السيادية عالمياً، يؤكد توفر رأس المال اللازم، لكن المطلوب هو تحويل هذا الزخم الاستثماري نحو المشاريع المشتركة عبر الحدود، وتفعيل المادة الرابعة من النظام الاقتصادي لدول المجلس، التي تسمح بتمتع مواطني دول المجلس بمعاملة المواطن في أي مشروع إقليمي مشترك.
ويجب التركيز على أن الاستدامة الحقيقية لا تُبنى بقوانين من أعلى إلى أسفل، ولا بمناقصات عابرة، وإنما تُبنى بتحالف استراتيجي استثنائي بين قطاع عام يثق في شريكه ويتخلى عن عقلية التسيير، وقطاع خاص يتحمل مسؤولية وطنية تتجاوز الربحية قصيرة الأجل. لذا فإن أمام دول مجلس التعاون في الوقت الراهن فرصة تاريخية اليوم، والأسئلة التي نجيب عنها الآن ستحدد شكل اقتصاداتنا لعقود قادمة.