وجهة نظر: شرط التحكيم في العقود التجارية
التحكيم عمل قضائي ذو طبيعة خاصة، لأن المحكم يستمد ولايته من اتفاق الخصوم لا من القانون، إذ أجاز المشرع الاتفاق على التحكيم في جميع المنازعات التي تنشأ عن تنفيذ عقد معين إلا ما كان منها متعلقاً بالنظام العام حيث لا يجوز الصلح فيها، وقد أصبح إدراج شرط التحكيم في العقود التجارية وعقود المقاولات أمراً شبه تلقائي، وبالأخص في التعاملات ذات العنصر الأجنبي، حيث يكون مثل هذا الشرط أمراً مفروضاً إدراجه في العقد، وقد ينطوي الشرط على أن يكون التحكيم في دول خارج الإقليم ولدى منظمات وهيئات قانونية أو غرف تجارية دولية، بل قد ينص الشرط على الاحتكام إلى قوانين غير القوانين والأحكام المحلية، ولكن لكون هذه الشركات ذات المكانة العالمية لا تقبل التفاوض على شروطها الموضوعة سلفاً فإن التاجر المحلي رغبة منه في إتمام العقد بدافع تجاري محض يقبل التوقيع المتضمن هذا الشرط، والذي يتبين منه فيما بعد أنه ليس في صالح التاجر المحلي لاحتكامه إلى قوانين أجنبية، ولفقدان الضمانة القضائية، إضافة إلى ارتفاع التكاليف والمصروفات القضائية وأتعاب المحكمين والمحامين، لذلك يسعى إلى التخلص من هذا الشرط الذي أصبح عبئه ثقيلاً لكونه إضافة إلى ارتفاع التكاليف وفقدان الضمانة القضائية الإحساس بعدم التوازن بين أطراف العقد إذا كان الشرط مفروضاً من طرف أقوى.
الأصل أن شرط التحكيم في العقد ملزم إذا نص عليه بشكل صحيح، والقضاء يميل إلى احترام إرادة أطراف العقد ولكن هذا لا يعني أنه غير قابل للطعن فيه والمراجعة، وأبسط وأقوى وسيلة للتخلص من شرط التحكيم هو العمل على إلغائه بأن يتفق الطرفان بعد توقيع العقد على إلغاء شرط التحكيم واستبداله باللجوء إلى القضاء، أو الموافقة الضمنية بألا يتم الدفع بعدم الاختصاص أمام المحكمة لوجود شرط التحكيم.
ومن أهم حالات إعمال شرط التحكيم أن يكون العقد محل التحكيم مشروعاً لا يمس مسألة تتعلق بالنظام العام، ومن المسائل المهمة لنفاذ شرط التحكيم في العقود أن يكون من وقع على العقد مخولا بالتصرف في موضوع العقد، وينص التفويض الممنوح له صراحة على حقه بالتوقيع على العقود المتضمنة شرط التحكيم.
وكما قد جرى به القضاء أن الاحتجاج بالشروط المتعلقة بالبطلان أو بالسقوط أو بالتحكيم يجب أن تكون واردة في العقد، وبارزة بشكل مميز وواضح، فعدم وضوح الشرط أو غموضه أو عدم توقيع الطرف المعني عليه، ووروده في مستند غير ملزم وغير واضح أو عدم أهلية الأطراف عند التوقيع أو خلا من تحديد موضوع النزاع أو جاء غامضاً لا يمكن معه الوقوف على نطاقه، هذه كلها يمكن أن تجعل شرط التحكيم غير ملزم، فالتحكيم طريق استثنائي لفض المنازعات وخروج على طرق التقاضي العادية، ومن ثم يجب تفسيره تفسيراً ضيقاً وعدم التوسع فيه.
إذا استحال تنفيذ شرط التحكيم أو تعذر تشكيل هيئة التحكيم، عاد الاختصاص إلى القضاء، لذا ينصح إذا تضمن العقد شرطاً للتحكيم مفروضاً فيجب التأني في التوقيع وقراءة شرط التحكيم بإمعان، والتفكير في عواقبه ونتائجه والاستعانة بالخبراء القانونيين واستشارتهم، وعدم الانجراف وراء الرغبة في إتمام الصفقة، والتركيز على ما سيثمر عنه هذا العقد من نجاح تجاري.