بالمختصر: مقال في الاغتيال

نشر في 03-05-2026
آخر تحديث 02-05-2026 | 18:59
 د. فهد إبراهيم الدوسري

حمل السبت الخامس والعشرون من أبريل 2026 خبراً استقطب أنظار العالم: محاولة اغتيال ثالثة طالت الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هذه المرة في حفل العشاء السنوي لمراسلي البيت الأبيض بواشنطن، حين اقتحم مسلّح نقاط التفتيش الأمنية واشتبك مع الحراسة السرية وأصاب أحد عناصرها. فكان لي هذا المقال. في «حكاية ابني آدم» عرف العالم القتلَ، وعرف الاغتيال. في كلا الفعلين النتيجة واحدة: دم يُراق، وروح تُزهق، وجرح ينزف في جسد الإنسانية. لكن الهدف مختلف، والطبيعة متباينة، والدلالة عميقة.

في القتل ينطلق الفعل من دوافع شخصية ضيقة: حسد قابيل على قبول قربان أخيه، غضب عابر، انتقام فردي، أو طمع في مال أو امرأة. هو جريمة الغريزة الوحشية تشتعل بين اثنين، فتتحول دماً بين جدران بيت أو في زاوية مظلمة. قابيل قتل هابيل فكان أول قاتل، وكان قتله نابعاً من صدره الضيق، أما الاغتيال فهو قتل مُنظَّم مُستهدَف، ذو طابع سياسي. يتجاوز الضحية ليصيب رمزاً، ويصيب معه فكرة أو نظاماً أو مسار تاريخ. 

الاغتيال هو محاولة لإعادة تشكيل الواقع بالخنجر أو الرصاصة. هو القتل الذي يرتدي ثوب الرسالة، ويحمل في طياته طموح تغيير السلطة أو إسكات صوت أو ترويع جماعة، والفرق بين القتل والاغتيال كالفرق بين السيف الذي يضرب في معركة شخصية، والخنجر الذي يُغرس في الظلام ليُسقط ملكاً أو وزيراً أو زعيماً. في القتل تكون النهاية فردية، أما في الاغتيال فالأثر جماعي، حتى لو لم يمت إلا شخص واحد.

تاريخ البشرية شاهد على هذا التمييز. حين طعن فدائيو الحشاشين (نظامَ الملك) الوزيرَ السلجوقي العظيم عام 1092م، لم يكن الفعل مجرد قتل وزير، بل كان اغتيالاً سياسياً مدروساً. كان «نظام الملك» رمز الدولة القوية ومهندسها الإداري، فجاء الخنجر ليضرب في قلب النظام نفسه، ويزرع الرعب في قلوب السلاطين والولاة. النتيجة في الظاهر واحدة: موت رجل. لكن الهدف في الباطن كان أكبر: إضعاف دولة، وإعلان عصر الخوف من الظلال. 

وحين سقط ابراهام لينكولن برصاصة جون ويلكس بوث، لم يكن قتلاً عادياً نابعاً من خلاف شخصي، بل اغتيالاً سياسياً بامتياز، لأن لينكولن كان رمز الوحدة والتحرر. أراد المُغتال أن يقتل مشروعاً، لا مجرد رجل. وكذلك في المحاولات الثلاث التي استهدفت دونالد ترامب - من بتلر في بنسلفانيا عام 2024، إلى ويست بالم بيتش، وصولاً إلى واشنطن أمس - كان الهدف المُعلَن والمُضمَر واحداً: ليس الرجل وحده، بل الرمز السياسي والمسار الذي يجسّده في المعادلة الأميركية والعالمية، لا سيما في لحظة بالغة الحساسية وهي أن الولايات المتحدة في حالة حرب مع إيران. 

الاغتيال إذن جريمة مركبة: قتل جسدي ومحاولة قتل معنوي. هو الفعل الذي يجمع بين الجسد والفكرة، وبين الدم والسلطة، وقد أثبت التاريخ مراراً أن الاغتيال، رغم دقته التكتيكية، غالباً ما يفشل استراتيجياً، إذ يحوّل الضحية إلى شهيد، ويعيد توحيد أنصاره، ويفتح أبواب ردود فعل أشد وأوسع. في النهاية، سواء كان قتلاً أو اغتيالاً، فإن إراقة الدم المحرم تبقى وصمة في جبين الإنسانية. لكن الاغتيال يضيف إليها وصمة أخرى: محاولة قتل التاريخ بالسلاح بدلاً من مواجهته بالفكر والحوار، والتسليم بأن إسكات الصوت المخالف بالرصاصة أيسر من دحضه بالحجة. دمتم بود.

 

back to top