وجهة نظر: دروس الأزمات... العمل لا يُقاس بالبصمة والحضور والانصراف
في فترات الأزمات، تختبر الدول كفاءة أنظمتها أكثر من أي وقت آخر، ما شهدناه في الكويت خلال جائحة كورونا، ثم في ظل العدوان الإيراني السافر، لم يكن مجرّد ظرف عابر، بل تجربة عملية عميقة، فقد تم تقليص ساعات العمل، وخُفّضت أعداد الحضور، وتغيّرت آليات التشغيل، ومع ذلك لم تتوقف المؤسسات، ولم تتعطل الأعمال، فالعمل لم يتوقف، بل تكيّف.
اليوم، وبعد عودة الأمور إلى طبيعتها، يبرز السؤال الأهم: ماذا تعلمنا؟
التجربة كسرت واحدة من أكثر الفرضيات رسوخاً، وهي أن زيادة ساعات العمل تعني زيادة الإنتاجية، فالواقع أثبت أن الإنتاجية لا تُقاس بعدد الساعات، بل بكفاءة إدارتها، ففي فترات العمل المرن، استمرت الأعمال، بل وتحسّنت في بعض الحالات، نتيجة تقليل الهدر في الوقت، والاجتماعات، والإجراءات.
ولعل ما يدعم هذه النتيجة ليس فقط التجربة العملية التي مررنا بها، بل ما تشير إليه الأدبيات الحديثة في علم الإدارة، والتي تميّز بين الحضور والإنتاجية الفعلية، ففي كثير من الحالات، قد يكون الموظف حاضرا جسديًا، لكنه منخفض الفاعلية بسبب الإرهاق أو ضعف الدافعية أو غياب وضوح الدور، وهو ما يُعرف بالحضور غير المنتج.
وهذا يفسّر جزئيًا ما لاحظناه خلال الأزمات، حيث استمرت الأعمال رغم تقليص الحضور، مما يعزز ذلك فكرة أن التركيز على الحضور والانصراف قد يمنح انطباعا زائفا بالانضباط، دون أن يعكس حقيقة الأداء، ليتحول الخلل من «غياب بلا عمل» إلى «حضور بلا إنتاج»، فالحضور والبصمات لا يعنيان بالضرورة إنجازاً.
كما أظهرت التجربة مرونة سوق العمل وقدرته على التكيّف، العمل عن بُعد، وإعادة توزيع المهام، وتبسيط الإجراءات، كلها أدوات أثبتت فعاليتها عندما فُرضت علينا، والأهم أن مراعاة الظروف الاجتماعية والالتزامات الأسرية لم تُضعف الأداء، بل عززت الالتزام والإنتاجية في كثير من الحالات.
كما تفتح هذه التجربة الباب أمام التفكير في نماذج عمل أكثر مرونة، فبعض الوظائف، بطبيعتها، لا تتأثر بالعمل عن بُعد، بل قد تتحسن نتيجة تقليل المشتتات ورفع كفاءة استخدام الوقت، ما يتماشى مع ما توصلت إليه بعض الدراسات الأكاديمية، لذلك، يمكن تبنّي نماذج مرنة مدروسة، مثل إتاحة خيار العمل عن بُعد لعدد محدد من الأيام شهريًا، وفق طبيعة الوظيفة ومعايير أداء واضحة، حيث ترتبط المرونة بالإنتاجية ومحددات أداء فعلية، لا بالحضور الشكلي، فضلا عمّا توفره من التكاليف الإدارية والتشغيلية، واستغلال أفضل لمساحات الأعمال.
لكنّ هذه المرونة لا يمكن تعميمها على جميع القطاعات، فبعض الوظائف تتطلب حضوراً كاملاً بطبيعتها، وهنا تكمن أهمية التطبيق الذكي، الذي يوازن بين طبيعة العمل ومتطلبات الكفاءة دون الإخلال بجودة الأداء.
الاستمرار في تكرار تطبيق الأدوات نفسها لن يحقق نتائج مختلفة، المشكلة ليست في نقص الجهود، بل في سوء توجيهها، ما مررنا به لم يكن مجرّد أزمة، بل فرصة لإعادة تعريف العمل، وتحسين الإنتاجية، وإعادة توجيه السياسات والقوانين بما يحقق كفاءة أعلى.
السؤال اليوم ليس: هل نعود كما كنا؟
بل: هل يمكن أن نعمل بشكل أفضل؟
إذا كانت هذه التجربة قد أكدت أن الكفاءة لا تقاس بالأعداد، فمن الطبيعي أن يمتد هذا الفهم إلى كيفية إدارة الموارد، وأهمها الموارد البشرية والدعم الحكومي، وانتقال التفكير من تفريخ الوظائف الحكومية، لتمكين القطاع الخاص ودعمه وجعله المصدر الرئيسي لخلق الوظائف للمواطنين، وهو ما سيكون موضوع مقالنا المقبل.
* قسم التمويل - كلية العلوم الإدارية - جامعة الكويت
تويتر@salthajeb