افتتاحية: «مراسلون بلا حدود»... وبلا مهنية
رغم تقدير «الجريدة» لأي مسعى يهدف إلى الحفاظ على حرية الكلمة وحماية مساحة التعبير في شتى دول العالم، وهو هدف طالما نادينا به على صفحات هذه الجريدة وخضنا من أجله معارك كثيرة، فإن أقل ما يوصف به التقرير الذي سودته منظمة «مراسلون بلا حدود» في حديثها عن الكويت وإعلامها، إنما هو الإجحاف وغياب المهنية والافتقار البالغ إلى الدقة، بل وصل الأمر إلى تزييف الحقائق وإلقاء التهم واختلاق ما لم يوجد يوماً في الكويت.
وما أشده من تناقض تقع فيه منظمة المفترض أنها مسؤولة، فهي من جهة تقر بأن «الكويت أقل الدول قمعاً في الخليج»، في اتهام مبطن بأن القمع سمة غالبة على غيرها، ثم لا تلبث أن تدعي أن بلادنا تمارس قدراً كبيراً من التضييق والسيطرة على الأخبار والمعلومات، بل تمضي أبعد من ذلك لتزعم أن الحكومة شددت قبضتها على الإعلام عقب اندلاع الحرب في إيران، مدعية «استهداف الصحافيين الذين يغطّون النزاع وتداعياته في المنطقة»، ولا ندري من أين استقت المنظمة هذه الافتراءات... فهل كانت المنظمة تتوقع من الصحافة أن تتخلى عن مسؤولياتها الوطنية، فتُشيع ما من شأنه الإضرار بأمن البلاد وسلامة مواطنيها ومقيميها، متجاهلة، عن عمد أو قصور، أن الصحافة الكويتية لطالما نهضت بدورها المهني والوطني معاً، فوازنت بين حقّ المعرفة وواجب الحماية، ولاسيما في أوقات حرجة لا يسوغ فيها لعاقل أن يُضعف جبهة بلاده أو يعبث بتماسكها في خضمّ تحديات مصيرية كهذه.
أما عن تغطية أحداث الحرب نفسها، فقد كانت «الجريدة» مواكبة لها على مدار الساعة ومن موقع الحدث تنقل التطورات صوتاً وصورة، دون إغفال أي مستجدات، ودون تلقي أي تضييق أو منع في سبيل قيامها بمهامها.
ومن المفارقات الساخرة أن المنظمة العالمية التي تدعي المهنية والحيادية والدفاع عن الكلمة تضع الكويت «ذات القمع الأقل» (على حد تعبيرها) في ترتيب خلف دول ترزح فيها الكلمة تحت وطأة القمع والقيود الحكومية الممنهجة!
ويبلغ الكذب والافتراء حدهما الأعلى حينما تذكر المنظمة أن هناك موضوعات محظورة كالحديث عن قضايا حقوق العمالة المهاجرة وحقوق المرأة والفساد، ولو كلفت المنظمة نفسها بالرجوع إلى أرشيف «الجريدة» على سبيل المثال على الإنترنت لوجدت الكثير والكثير من الحملات التي خاضتها «الجريدة» ضد مسؤولين ووزراء وقرارات حكومية، غير منحازة إلا إلى الحقيقة وحدها، ناقلين نبض الشارع الكويتي بشفافية وصدق دون خوف من أن ينالنا جراء ذلك أي تعنت حكومي أو تضييق أو إملاءات كما تدعي المنظمة.
ولو دققت المنظمة بعض التدقيق وكلفت نفسها عبء بعض البحث لعلمت أن الحكومة كثيراً ما تفاعلت مع حملات «الجريدة» ـ وغيرها من الصحف الزميلة التي تصفها المنظمة بالتقليدية ـ بل عدلت عن قرارات بعدما تبين لها خطؤها، في برهان دامغ على أن علاقة صحافتنا بالحكومة ليست علاقة صمت أو تبعية، بل تفاعل مستمر، شهد في محطات عديدة طرحاً نقدياً ومواجهات صحافية مع قرارات حكومية.