«معبد بلوزيوس»... كشف أثري يعزز التاريخ الديني والثقافي لسيناء
تصميمه يمزج بين الطابع المصري القديم والطرازين الهلنستي والروماني
أعلنت البعثة الأثرية المصرية اكتشاف بقايا معبد مكرّس لعبادة الإله المحلي «بلوزيوس» في تل الفرما بمدينة بلوزيوم الأثرية في شمال سيناء، وهو كشف أثري يسلّط الضوء على الأهمية الدينية والثقافية للمدينة في العالم القديم.
ويُعد هذا الاكتشاف إضافة بارزة لفهم تاريخ المنطقة ودورها مركزاً للتفاعل الحضاري بين مصر واليونان والرومان، ويسهم في إعادة تفسير عدد من المنشآت المعمارية بأرض الفيروز، بما يعزز المعرفة بتاريخ بلوزيوم ومكانتها الحضارية.
بعد ست سنوات من أعمال الحفائر المتواصلة، نجحت البعثة التابعة للمجلس الأعلى للآثار بمصر في الكشف عن بقايا منشأة دينية فريدة من نوعها، مما يمثل إضافة مهمة لخريطة المواقع الأثرية في شمال سيناء.
أسرار تاريخية
في هذا الإطار، أعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن سعادته بهذا الإنجاز، مؤكداً أن الاكتشاف يبرز الأهمية الاستراتيجية والأثرية لمنطقة شمال سيناء التي لا تزال تحتفظ بأسرار تاريخية عديدة، لافتاً إلى حرص الوزارة على مواصلة أعمال الحفائر والدراسات العلمية بالموقع، بما يعزز المعرفة الإنسانية ويدعم البحث العلمي.
من جانبه، وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، هشام الليثي، هذا الكشف بالمهم، كونه يوضح المكانة البارزة التي تمتعت بها مدينة بلوزيوم، ودورها المحوري في نقل وتأثير الأفكار الدينية والثقافية عبر أرجاء العالم القديم.
كما أشار إلى أن التصميم المعماري للمعبد يجمع بين التقاليد المصرية القديمة والطرازين الهلنستي والروماني، في تجسيد استثنائي للتفاعل الحضاري الذي ميّز المدينة عبر العصور.
وصف المعبد
يتكوّن المعبد من حوض دائري ضخم يبلغ قطره نحو 35 متراً، كان متصلاً بفرع النيل البيلوزي، حيث يُملأ بالمياه المحمّلة بغرين النيل (الطمي الدقيق الذي يحمله النيل أثناء الفيضان ويترسب على ضفافه)، في دلالة رمزية على ارتباطه بالإله «بلوزيوس»، الذي اشتُق اسمه من الكلمة اليونانية «بلوز» بمعنى «الطين».
ويحيط بالحوض نظام متكامل من القنوات لتصريف المياه، بينما تتوسطه قاعدة مربعة يُرجّح أنها كانت مخصصة لحمل تمثال ضخم للمعبود، مما يعكس الطابع الطقسي للموقع.
وتُظهر الطبقات الأثرية استمرارية استخدام هذه المنشأة من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي، مع إدخال تعديلات معمارية محدودة، وهو ما يعكس الأهمية الدينية المستمرة للموقع عبر فترات زمنية متعاقبة.
ويُعد هذا الامتداد الزمني دليلاً على استمرارية المعتقدات الدينية وتكيّفها مع التحولات السياسية والثقافية في المنطقة.
من جانبه، أوضح رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري وسيناء المشرف على البعثة، هشام حسين، أن بداية الكشف تعود لعام 2019، حين تم العثور على جزء لا يتجاوز 25% من منشأة دائرية مشيّدة من الطوب الأحمر، ورُجّح آنذاك أنها تمثل مبنى مجلس الشيوخ بالمدينة، إلا أن استكمال أعمال الحفائر خلال المواسم اللاحقة، إلى جانب الدراسات الميدانية المتعمقة والمقارنات العلمية مع نماذج معمارية مماثلة من العصرين الهلنستي والروماني، أسفر عن إعادة تفسير المبنى باعتباره منشأة مائية مقدسة مرتبطة بطقوس دينية.
كما ساهمت المناقشات العلمية مع عدد من الخبراء الدوليين، من بينهم أستاذ الآثار الكلاسيكية في جامعة السوربون بباريس، البروفيسور جون إيف كاريه ماراتراي، في تأكيد هذه الرؤية الجديدة، ما يعزز من القيمة العلمية للاكتشاف ويمنحه بعداً دولياً. ومن المتوقع أن يفتح هذا الكشف آفاقاً واسعة لمزيد من الدراسات حول مدينة بلوزيوم، ودورها كمركز ديني وثقافي مهم في شمال شرق مصر، بما يسهم في إعادة كتابة تاريخها وإبراز مكانتها في الحضارة الإنسانية.