وجهة نظر: الاستخدام الرشيد للدَّين العام

نشر في 29-04-2026
آخر تحديث 28-04-2026 | 18:48
 د. أحمد الكواز

بعد التحولات الدستورية، في البلدان المتقدمة، خصوصاً أمريكا وبريطانيا، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بدأت المالية العامة، تُحكم بقواعد دستورية. وشملت هذه الثورة المالية، والتي سبقت الثوة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، الاعتماد بشكل أكبر على قواعد تحكم الدين العام والأوراق المالية. ومنذ ذلك الحين شهد الدين العام تطورات، مستدامة (قدرة على تسديد الدين)، وغير مستدامة (عدم قدرة على التسديد). علماً بأن نسبة الدين العام/ الناتج المحلي الإجمالي وصلت، في بريطانيا، بعد الحروب النابليونية، عام 1815، إلى 255%، وفي موازنة 2026/2027 حوالي 95%. في حين وصلت النسبة في أميركا إلى حوالي 29.6% عام 1790، وحالياً نحو 123%. 

ووفقاً لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD تجاوز الدين العالمي، 348  تريليون دولار، نهاية عام 2025، حوالي 308% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أما على المستوى العربي، وفقاً الى آخر الإحصاءات المتاحة من التقرير العربي الموحد، لعام 2024، فإن أعلى نسبة دين عام إلى الناتج المحلي الإجمالي، في البلدان المقترضة، كانت في حالة السودان 266.8%، ولبنان 157.1%، والأردن 86.2%، وتونس 77.2%. وأقل نسبة في الجزائر 1.3%، ثم جزرالقُمر 27.9%. 

أما في حالة دولة الكويت فيشير آخر بيان مالي، لسنة 2025/2026، موقع وزارة المالية، إلى أن إجمالي رصيد «الدين العام» القائم في نهاية السنة المالية 2024/2025 هو 1.42 مليار دولار، مقارنة مع 1.58 مليون دولار في السنة المالية 2023/2024. 

ولا يبدو أن هذه القيم تشير الى مفهوم الدين العام (الذي يتضمن بالتعريف الدين الداخلي والخارجي)، أما بيانات الدين الخارجي، والداخلي المنشورة على موقع بنك الكويت المركزي، فيورد الجدول 46 تقديراً لآخر إجمالي لرصيد الدين العام الخارجي (الحكومي والخاص)، حتى تاريخ إعداد هذا المقال، يبلغ حوالي 20391 مليون دينار، نهاية عام 2024، مقارنة مع 19821 مليون دينار نهاية عام 2023. في حين يورد البنك، في الجدول 8، تقديرات لرصيد الدين الداخلي، على شكل أذونات خزانة وتورق، بقيمة 2250 مليون دينار عام 2025، مقابل رصيد بقيمة 50 مليون دينار عام 2024.  

ويورد صندوق النقد الدولي، في تقريره عن دولة الكويت، IMF’s Country Report No. 26/52، صفحة 4، الصادر في فبراير 2026، أن نسبة الدين الخارجي الإجمالي (مجموع القروض الحكومية وقروض القطاع الخاص الخارجية) هي 41.3% لعام 2024، مقابل 39% لعام 2023. أما نسبة الدين الخارجي الحكومي فلا تتجاوز 2.9%، و3.1% تباعا، ولا تمثل النسبة الأخيرة أي تأثير سلبي على الاستدامة المالية لتواضعها الشديد، لغاية الآن. علماً بأن سياسة الدين العام بالدولة يحكمها، حاليا، القانون رقم 60 لسنة 2025، الذي يضع سقفاً للدين العام يبلغ 30 مليار دينار، أو ما يعادلها من عملات أجنبية كحدّ أقصى، ولأجال أدوات مالية تصل إلى 50 سنة، مع سريان القانون مدة 50 سنة، كما أن صندوق الاحتياطي العام يعتبر مصدر تمويل عجز الموازنة، في حالة توفر السيولة بالصندوق، والتي تعرضت لضغوط حديثاً. 

وعادة ما يُشار إلى عدد من المعايير لضمان استدامة الدين العام، مثل ألا ترتفع نسبته عن 60% من الناتج المحلي الإجمالي (وهي نسبة ترتبط ببلدان الاتحاد الأوروبي المتقدمة، تم تحديدها وفقا لمعاهدة ماستريخ، 1992)، وأن يكون معدل النمو الاقتصادي أعلى من معدل نمو الفائدة (حتى لا يكون تراكم الفائدة أكبر من تراكم الدخل)، وألا تلتهم خدمة الدين (تسديد الأصل + الفائدة) كل عوائد الصادرات، ونسبة من الاحتياطي الرسمي، وأن تُخصص عوائد القروض لتمويل مشروعات قابلة للتصدير وليس لتمويل إنفاق جارٍ، وغيرها. 

ورغم أهمية هذه المعايير فإن المعيار الرئيسي هو وضع البلد في تنويع الصادرات (مصدر العملة الأجنبية المستخدمة في تسديد الدين)، في حالة الكويت الصادرات غير النفطية. كما أن ارتفاع معدل النمو عن نظيره الخاص بسعر الفائدة قد لا يعني الكثير في حالة ارتباط معدل النمو بقطاع ريعي، متقلب، ويلتهم أكبر مصادر النمو. 

والأهم من ذلك هو أن اللجوء لبديل القروض الخارجية (وما يرتبط بها من تقلبات أسعار الصرف، والفائدة) لا يحفّز الأخذ ببرامج الإصلاح الاقتصادي المحلية ويجعلها أداة ضغط، إيجابي، للبحث عن الاستغلال الرشيد لكل مصادر الحيز المالي Fiscal Spaces المتاحة، وعلى رأسها الضرائب المباشرة على الثروة والأرباح، والحدّ من الطرف الثالث في التعامل مع أملاك الدولة، وتفعيل دور القطاع الخاص (على أسس أقرب للتنافسية، حيث لا توجد تنافسية تامة عملياً، وتحت مظلة قانون مستقل لمحاربة الاحتكار ودعم التنافسية، وذلك لدور هذا القطاع في تقليل العبء على الباب الأول في الموازنة، وتقليل التحويلات له تدريجيا)، وترشيد التحويلات، وتوجيهها نحو مستحقيها فقط، خصوصا دعم الطاقة، وغيرها من أشكال الحيّز المالي، الذي في حالة استغلاله، بشكل حقيقي، وبكفاءة اقتصادية، سيقلل من فجوة الناتج الإجمالي المحلي (الفارق بين الناتجين الفعلي، والكامن)، وبالتالي يقلل العجز المالي، ويحوله إلى فائض تدريجياً. 

ولعل تجارب البلدان المتقدمة في تسديد القروض هي مثال واضح لأهمية التنويع، والصادرات بشكل خاص، فاليابان لم تتخلف قط عن تسوية قروضها، ورغم أن أغلبها داخلية، إلا أنها تعتبر دائنا صافيا تملك أصول أكبر بالخارج مما يملك الأجانب باليابان، أما الولايات المتحدة فهي الأخرى لم تتخلف عن التسديد، وهي حالة خاصة حيث إن عملة التسديد هي الدولار المُصدّر محلياً، وتقترض لتسديد ديون سابقة. ونفس الشيء لبريطانيا التي تعتبر ثاني أكبر مقترض بعد الولايات المتحدة، ولم تتخلف عن الوفاء بالتزامات خدمة الدين، ولا داعي للاستشهاد بتجارب عدد من البلدان النامية المدينة، ومنها العربية، ذات التجارب المتواضعة في التنويع.  

ختاماً، فإن رشادة الدين العام تتوفر إذا كانت السياسة المالية، وأداتها الموازنة العامة لدولة، هي جزء لا يتجزأ من إطار اقتصادي كلي يخدم تنويع الصادرات، وما يستلزمه من تحقيق شروط اقتصادية ومؤسسية وإدارية مسبقة، وخلاف ذلك الوقوع في فخ المديونية Debt Trap عاجلاً أو آجلاً. 

* مستشار اقتصادي

 

back to top