التفكير العربي الضحل في الأزمات... إدمان المؤامرة وعقدة الخيانة

نشر في 29-04-2026
آخر تحديث 28-04-2026 | 18:23
 ضاري المير

لنكن صريحين: جزء كبير من أزماتنا ليس فقط في الواقع... بل في عقولنا. نحن لا نقرأ ما يحدث، نحن نهرب منه. نستبدل التحليل بالصراخ، والتفكير بالشعارات، والحقائق بحكايات جاهزة عن «مؤامرة كونية» و«خيانة عظمى». في كل أزمة، يتكرر نفس السيناريو الممل: نخسر؟ إذاً هناك مؤامرة. نرتبك؟ إذاً هناك خيانة. نفشل؟ بالتأكيد «باعونا».

بهذه البساطة، نغلق عقولنا ونرتاح، لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون مواجهتها هي أن هذا التفكير ليس مجرد خطأ... بل عجز. عجز عن الفهم، وعجز عن الاعتراف بالمسؤولية. حين تنهار دول مثل العراق أو سورية أو تتفكك مجتمعات مثل اليمن، يخرج علينا الخطاب الجاهز: «مؤامرة دولية». وكأن الداخل بريء، وكأن الفساد، والاستبداد، وسوء الإدارة، والطائفية، كلها تفاصيل لا تستحق الذكر. هذه ليست براءة... هذا إنكار متعمد. 

الأسوأ أن «نظرية الخيانة» أصبحت وسيلة لتصفية الحسابات، لا لفهم الواقع. كل من يختلف معك خائن. كل من يقرأ المشهد بطريقة مختلفة عميل. كل من يرفض الانجرار خلف العاطفة يُتهم بأنه باع القضية. وهكذا، لا يبقى مجال للنقاش... بل فقط للتخوين. في صراعات مثل المواجهة بين إسرائيل وإيران، بدل أن نفهم تعقيد المصالح، نختزل المشهد في شعارات فارغة: «كلهم ضدنا» أو «كلهم خونة». هذا ليس وعياً... هذا كسل فكري. 

السياسة ليست مسلسلاً درامياً فيه بطل وشرير واضح. هي شبكة مصالح قاسية، متغيرة، بلا أخلاق أحياناً. ومن لا يفهم ذلك، سيبقى يصرخ في الفراغ. الأخطر من ذلك كله أن هذا التفكير يقتل أي فرصة للإصلاح. لأنك إذا أقنعت نفسك أن كل شيء مؤامرة، فلن تسأل: ماذا يجب أن نغير؟ وإذا صدّقت أن الجميع خونة، فلن تثق بأحد... ولن تبني شيئاً. نحن لا نُهزم فقط لأن الآخرين أقوى، بل لأننا نرفض أن نكون صادقين مع أنفسنا. نريد تفسيراً يريحنا، لا حقيقة تزعجنا. الحدة الحقيقية ليست في رفع الصوت ولا في توزيع الاتهامات، بل في القدرة على قول الحقيقة المؤلمة: نحن جزء من المشكلة. طالما بقيت عقولنا أسيرة المؤامرة، وألسنتنا مدمنة على التخوين، سنبقى ندور في نفس الدائرة... نخسر، ثم نفسر، ثم نكرر الخسارة بثقة غريبة، وكأن شيئاً لم يحدث.

back to top