الحرب الأميركية - الإيرانية... واقع اقتصادي جديد
مضيق هرمز ونفط الخليج..إغلاق وتوقف يربكان الاقتصاد العالمي
تكرر المشهد في الفترة الأخيرة، لكن بشكل ساخر، من خلال "تريند" على وسائل التواصل الاجتماعي، عبارة عن مقاطع مصورة لبعض المؤثرين، على مستوى العالم، داخل محطات الوقود، وهم يتعاملون مع الوقود على أنه سلعة أو خدمة فاخرة، في إشارة إلى الزيادة القياسية في أسعاره، والناتجة عن أزمة الطاقة التي سببتها الحرب الأميركية - الإيرانية التي اندلعت نهاية فبراير الماضي.
في الفن، يمزج هذا القالب من الكوميديا السوداء (Black Comedy)، بين السخرية والفكاهة ومواضيع جادة ومؤلمة، أو "تابوهات" اجتماعية مثل الموت، الحرب، العنف، والمرض. تهدف إلى إثارة الضحك من رحم المعاناة "شر البلية ما يضحك"، وتستخدم النقد الاجتماعي الساخر لطرح قضايا عميقة بأسلوب صادم وغير متوقع.
إنما في الواقع، فرغم أن هذا "التريند" الذي يقدم رؤية تدعو إلى السخرية لتأثير الحرب على الأحوال الاقتصادية للدول، يعتبر فاصلاً من الكوميديا السوداء لمواجهة الواقع، إلا أنه يفسر ما جاء في تقارير اقتصادية معتبرة حول تأثير الحرب، ليس على دول الإقليم فقط، إنما تمتد آثارها على معظم دول العالم وبالتحديد الاقتصادات الناشئة.
تراجع نمو اقتصادات الشرق الأوسط إلى 1.8% في 2026 مقارنة بتوقعات بداية العام البالغة 4.4% في ظل تداعيات الحرب
وبصرف النظر عن ما ستؤول إليه المفاوضات وعن صمود الهدنة من عدمه، إلا أن التداعيات الاقتصادية للحرب ستكون أطول أمداً حتى لو توقفت الحرب نهائياً، إذ كشف تقرير حديث للبنك الدولي، عن تراجع نمو اقتصادات الشرق الأوسط إلى 1.8% في 2026 مقارنة بتوقعات بداية العام البالغة 4.4%، في ظل تداعيات الحرب.
تداعيات تتجاوز صمود الهدنة... أدخلت الدول في حالة طوارئ اقتصادية وفرضت نهجاً تقشفياً
ورأى التقرير، أن كلاً من قطر والكويت والعراق هي الأكثر تأثراً مع تسجيل انكماش اقتصادي خلال العام نتيجة تعطل إيرادات النفط، إذ عدل توقعاته لنمو الكويت من 2.6% إلى انكماش بنسبة 6.4%، ولقطر من نمو بنسبة 3.2% إلى انكماش بنسبة 5.7%، وللعراق قُدر لها انكماش بنسبة 8.6%.
كما عدل البنك الدولي في تقريره توقعات النمو الاقتصادي للسعودية من 4.5% قبل الحرب إلى 3.1%، وللإمارات من 5.6% إلى 2.4%، وللبحرين من 3.2% إلى 1.3%، ولسلطنة عمان من 2.6% إلى 2.4%، ومصر من 4.4% إلى 4.3%، والأردن من 2.8% إلى 2.7%.
البنك الدولي عدَّل توقعاته لنمو الكويت من 2.6% إلى انكماش بنسبة 6.4% وقطر من نمو بـ 3.2% إلى انكماش بـ 5.7%
كما قدر المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن هذه الدول خسرت نحو 186 مليار دولار، وبما يقدر بـ 6% من ناتجها المحلي الاجمالي، نتيجة شهر واحد من الحرب التي بدأت بهجوم من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
وتوقّع أن «تكون هناك آثار أعمق وأطول وأصعب خلال الفترات القادمة»، مشيراً الى أن الخسائر قد تصل «لأكثر من 200 مليار دولار»، موضحاً أن «الأثر على الناتج المحلي الإجمالي ملموس جداً في منطقة الخليج»، وبحسب التقدير، قد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة بين 3.7% و6%، بما يعادل خسائر تتراوح بين 120 و194 مليار دولار، مع تركز الأثر الأكبر في دول الخليج والمشرق، حيث تُظهر التقديرات أن الخسائر ستكون أكثر حدة في هاتين المنطقتين، إذ قد ينخفض الناتج في دول الخليج بين 5.2% و8.5%، وفي المشرق بين 5.2% و8.7%، مدفوعة باضطرابات التجارة وتقلبات أسواق الطاقة.
وفي قراءة لشركة "الشال" للاستشارات للتقرير، قدرت في الأسبوع الخامس للحرب، أن استمرارها سيتسبب في خسائر للاقتصاد العربي مقاساً بانكماش لناتجه المحلي الإجمالي ما بين -3.7% و6-%، وهو ما يعني فقدانه ما بين 120 مليار دولار و194 ملياراً، أو ما يفوق كل مكاسبه في عام 2025، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة بنحو 4%، ما يعني احتمال فقدان 3.6 ملايين عامل لوظائفهم، أو أكثر مما خلق الاقتصاد العربي من وظائف في عام 2025، ومعها يزيد أعداد الفقراء بنحو 4 ملايين إنسان.
وقال "الشال" إن أكبر الخاسرين بالمطلق هي منظومة دول مجلس التعاون الخليجي بعد إقحامها في حرب ليست طرفاً فيها، ويقدر احتمال انكماش ناتجها المحلي الإجمالي بما يتراوح بين 5.2-% و8.5-%، أو ما يقارب بالمطلق ما بين 103 مليارات دولار و168 ملياراً، ويتوقع فقدان ما يراوح بين 1.17 و3.11 ملايين عامل لوظائفهم، ولذلك انطباقاته السلبية على قطاعات أخرى.
أما أعلى المجموعات العربية تأثراً نسبياً من تداعيات استمرار الحرب مجموعة أسماها التقرير Levant، وهي خمس دول عربية معظمها ملامس لإسرائيل، وهي: العراق والأردن ولبنان وفلسطين وسورية. والانكماش المحتمل في قيمة ناتجهم المحلي الإجمالي يقدرها التقرير بما بين 5.2-% و8.7-%، والخسارة المحتملة بالمطلق بالدولار تتراوح بين 17.30 و28.90 مليار دولار.
والارتفاع في معدلات البطالة، ومعظمهم مواطنون، يتراوح بين 2.3% و2.7%، وبالمطلق بحدود نحو 320 ألف عامل، ويلتحق بفئة الفقراء ما يتراوح بين 2.85 و3.29 ملايين إنسان.
لم تنحصر تداعيات الحرب فقط على الاقتصادات الخليجية أو دول التماس مع النيران، إنما امتدت آثارها لتشمل معظم اقتصادات العالم، وبالتحديد الناشئة إذ تسببت في صدمات حادة لتلك الاقتصادات، تمثلت في ارتفاع أسعار الطاقة (النفط والغاز) وتعطل سلاسل التوريد، مما أدى إلى نزوح الاستثمارات، تراجع العملات المحلية، وارتفاع فروق العائد على سندات الديون (بخاصة الخليجية التي تمثل 40% من ديون الأسواق الناشئة) وتزايد مخاطر الركود التضخمي.
كما أدت إلى تباطؤ اقتصادي في معظم الدول المعتمدة على الاستيراد، وهددت بإضاعة سنوات من الإصلاحات الاقتصادية في بعض الدول الناشئة، مع احتمالية دخول ركود تضخمي إذا طال أمد الصراع وتعطلت الملاحة عبر مضيق هرمز.
وتمثلت تلك التداعيات حتى نهاية أبريل في:
خسائر مالية وضغط على العملات:
محت الأسواق الناشئة أكثر من 1.5 تريليون دولار من قيمتها السوقية.
سجل مؤشر أسهم الأسواق الناشئة خسائر تفوق 11%، في أسوأ أداء منذ سبتمبر 2022.
تراجع مقياس عملات الدول النامية بنسبة 2.6%.
سوق الدين والتمويل:
تراجعت سيولة سوق أدوات الدين الخليجية مع ارتفاع فروق العائد إلى أعلى مستوياتها في 5 سنوات، حسب فيتش.
انخفاض وتيرة الإصدارات الدولارية واتجاه لتمويل بديل كالقروض المجمعة.
تأثيرات القطاعات:
تضررت الدول المستوردة للنفط من ارتفاع الأسعار وشح السلع.
تضررت أسهم شركات الرقائق (مثال: كوريا الجنوبية).
شركات التأمين الخليجية تكبدت خسائر، بينما استفادت شركات التسليح والذكاء الاصطناعي.
كل هذه التداعيات، فرضت على الاقتصادات عدم التعامل مع مخاطر جيوسياسية محتملة، بل مع واقع اقتصادي جديد يعاد تشكيله تحت وقع الحرب، فأدخلها في حالة طوارئ اقتصادية وجعلها تنتهج إجراءات تقشفية، بالإضافة إلى رفع أسعار البنزين في كثير من الدول بنسب متفاوتة، كالإمارات بنسبة 32.3% ولبنان بنسبة 28.6% والأردن ومصر بنسبة 14.3% والمغرب بنسبة 13.9% وقطر بنسبة 7.9%.
كما اتخذت العديد من الدول حزماً من الإجراءات للتعامل مع هذه المخاطر، ففي الكويت اتخذ البنك المركزي حزمة من الإجراءات شملت التعليمات الرقابية وأدوات السياسة التحوطية الكلية، فيما يتعلق بمتطلبات السيولة الرقابية ومعدل الكفاية الرأسمالية، بما يضمن زيادة مرونة القطاع المصرفي المحلي لدعم أوجه النشاط الاقتصادي ودعم استقرار العمل المصرفي.
«المركزي» الكويتي يطلق حزمة تحفيزية للبنوك المحلية ويسمح بتأجيل أقساط أصحاب الأعمال المتضررين من الحرب
وقد شملت تلك الإجراءات خفض الحد الأدنى بشأن معيار تغطية السيولة من 100% إلى 80%، والحد الأدنى بشأن معيار صافي التمويل المستقر من 100% إلى 80%، والحد الأدنى بشأن نسبة السيولة الرقابية من 18% إلى 15%.
كما اشتملت التدابير رفع الحد الأقصى المتاح للتمويل من 90% إلى 100%، والإفراج عن جزء من المصدة الرأسمالية التحوطية بنسبة 1% من الأصول المرجحة بأوزان المخاطر على شكل حقوق مساهمين بحيث تحقق متطلبات قاعدة رأس المال بمفهومة الشامل لتبلغ 12% مقابل 13% الحد الرقابي الجديد.
كما وجّه بنك الكويت المركزي، البنوك وشركات التمويل، إلى التعامل بـ «إيجابية» مع العملاء المتضررة أعمالهم من تداعيات التطورات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة، وذلك في خطوة رقابية تعكس تحركاً موازياً لتعزيز القوة المصرفية وقدرات العملاء من أصحاب الأعمال.
وإلى جانب البنك المركزي الكويتي فقد اتجهت عدة جهات اقتصادية لإصدار قرارات داعمه، بينها ما أصدرته وزارة التجارة والصناعة، لدعم التكاليف الإضافية، وذلك لضمان استمرارية إمدادات السلع الأساسية وتدفقها إلى الكويت دون انقطاع وتثبيت أسعارها في السوق المحلي.
ومن قلب المنطقة أعلنت الإمارات، حزمة دعم اقتصادي بقيمة مليار درهم لدعم الشركات والأسر، فيما أطلق مصرف الإمارات المركزي حزمة سيولة واسعة لدعم القطاع المصرفي، شملت إتاحة الوصول إلى جزء من الاحتياطيات وتوفير تسهيلات تمويل بالدرهم والدولار، إلى جانب تخفيف مؤقت لبعض المتطلبات التنظيمية، في محاولة لضمان استمرار تدفق الائتمان.
وفي قطر، سمح البنك المركزي تأجيل أقساط القروض وفوائدها للمتضررين لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، إلى جانب توفير تسهيلات سيولة إضافية وخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي، في إطار دعم الاستقرار المالي.
وفي الجوار، اتخذت مصر العديد من الإجراءات لاحتواء الأزمة، كإغلاق المتاجر في الساعة التاسعة مساء وتخصيص يوم الأحد للعمل عن بعض في بعض الدوائر، وفي تركيا، أنفق البنك المركزي 30 مليار دولار في شهر واحد لمنع انهيار الليرة التركية، وفي باكستان، تم تخفيض رواتب الموظفين المدنيين وتقليص استخدام الوقود الحكومي بنسبة 50% بالإضافة إلى إنشاء صندوق تقشف بقيمة 358 مليون دولار.
لم تقتصر الإجراءات التقشفية على اقتصادات المنطقة فقط، أو على دول الجوار أو التماس مع مرمى النيران، بل امتدت لتشمل العديد من الدول على مستوى العالم، فقد أقرت روسيا عدم جواز إخراج أكثر من 100 ألف دولار نقداً، أو أكثر من 100 غرام من الذهب خارج البلاد، وفي كوريا الجنوبية تم تفعيل هيكلية اقتصادية طارئة يرأسها رئيس الوزراء شخصياً، بالإضافة إلى تخفيض استهلاك الطاقة في نحو 50 شركة كبرى، وفي الهند تم تخصيص 6.7 مليارات دولار لصندوق الاستقرار الاقتصادي، بينما ما زالت أزمة الوقود تبحث عن حل، وفي الفلبين تم فرض حالة طوارئ وطنية بقطاع الطاقة، ورفع الإجازة الرسمية إلى ثلاثة أيام، وفي الصين تم حظر تصدير الوقود لدعم الامدادات المحلية، واضطرت اليابان إلى رفع القيود المفروضة على محطات الكهرباء العاملة بالفحم.
ورغم بعدها عن مرمى نيران الحرب، لكن أوروبا لم تكن بعيدة عن مرمى الإجراءات القاسية، إذ دعا الاتحاد الأوروبي مواطنيه إلى تقليل استخدام السيارات أو السفر جواً، بالإضافة إلى إجراءات لتخزين الغاز.
في المقابل، يبرز تجّار النفط الذين يستفيدون من تقلبات السوق، إذ يُتوقع تحقيقهم أرباحاً كبيرة طالما استمرت قدرتهم على تأمين الإمدادات، كذلك الحال بالنسبة لمنتجي النفط خارج منطقة الخليج العربي وعلى رأسهم روسيا، التي تستفيد من ارتفاع الأسعار وتحسن موقعها الجيوسياسي.
وفي النهاية، ستبقى فرقة الموسيقيين تعزف في خلفية المشهد، وعلى وقع كل تداعيات الحرب، "نشيد الخريف"، ربما يتناولها البعض بشكل ساخر، لمواجهة الواقع، لكن أيضاً، سيبقى السؤال: هل ستكفي هذه الإجراءات القاسية لإنقاذ الاقتصادات، أم سنغني معاً ترنيمة "قربني يا إلهي إليك".