الاقتصاد في ظل الاضطراب: نحو تحديث تشريعي شامل
في ظل مشهدٍ إقليميٍ ودوليٍ معقَّد، تتداخل فيه آثار الحروب مع الضغوط الاقتصادية، تواجه الكويت معادلة دقيقة قوامها الحفاظ على استقرارها الاقتصادي مع مواكبة التحوُّلات العالمية المتسارعة.
فالاقتصاد الكويتي، شأنه شأن الاقتصادات الإقليمية والعالمية، تأثَّر مباشرةً بتداعيات الحرب، التي انعكست على سلاسل الإمداد، ورفعت تكاليف النقل، وأسهمت في ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. ويتجاوز هذا الأثر المدى القصير إلى اختلالات أعمق تمس استقرار الاقتصاد العالمي، في ظل اضطراب الأسواق، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، بما يرسخ بيئة اقتصادية أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ.
وفي هذا السياق، تظل الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية أكثر عُرضةً لتذبذب أسعار النفط، حتى مع تحقيق فوائض مؤقتة خلال فترات الارتفاع، بما ينعكس سلباً على ثقة المستثمرين، ويزيد من حذرهم، ويؤثر في قرارات الاستثمار وتدفقات رؤوس الأموال.
أمام هذا الواقع المركَّب، يبرز تحديث التشريعات كخيارٍ استراتيجي لا يحتمل التأجيل، إذ إن القوانين ليست مجرَّد أدوات تنظيمية، بل هي أساس البنية التحتية للاقتصاد، حيث تُقاس فاعليتها بقدرتها على التكيُّف مع التحوُّلات، واستيعاب الابتكار، والحد من المخاطر.
لا شك في أن جهود الجهات المختصة في الكويت تمثل مساراً إصلاحياً محموداً لتحديث المنظومة التشريعية وإعادة صياغة الإطار القانوني، بما يُواكب اقتصاداً أكثر انفتاحاً وتنافسية وكفاءة، غير أن فاعلية هذا التحديث لا تُقاس بمجرَّد إقراره، بل بمدى استناده إلى مجموعةٍ من الاعتبارات الحاكمة التي تحدِّد اتجاهه ونتائجه.
- يتمثل الاعتبار الأول في وضوح الصياغة التشريعية وجودتها، بما يحقق اليقين القانوني، ويحد من تضارب التفسيرات، ويعزز ثقة المستثمر، ويخفض كُلفة الامتثال. كما أن تقليص القيود غير المبررة في مجالَي الاستثمار وتسوية المنازعات يمثل امتداداً لهذا الاعتبار، لما يترتب عليه من تعزيز المرونة التشريعية، وتقليل التعقيد، وتعدُّد الموافقات، بما يدعم جاذبية الإطار القانوني.
- أما الاعتبار الثاني، فيتمثل في تحقيق التوازن بين أفضل الممارسات الدولية والخصوصية الوطنية، حيث إن استلهام تجارب، مثل: قوانين التحكيم والاستثمار، يظل مهماً، لكن نجاحه مرهون بملاءمته للبيئة المحلية وعدم تعارضه مع الواقع المؤسسي والتطبيقي.
- ويبرز الاعتبار الثالث في كفاءة التنفيذ المؤسسي، إذ إن فاعلية التشريع تتوقف على قُدرة الأجهزة الإدارية والقضائية على إنفاذه بسرعة وكفاءة، مع أهمية تبسيط الإجراءات، وتكامل الجهات الرقابية، وتفعيل التحوُّل الرقمي، لضمان ترجمة النصوص إلى أثرٍ عمليٍ داخل بيئة الأعمال.
لا شك في أن ميدان الإصلاح التشريعي لا يقل أهميةً وتأثيراً عن مواجهة تداعيات الأزمات والحروب، إذ إن البنية القانونية الكويتية ما زالت، في بعض جوانبها، قائمة على تراكمٍ تشريعي ممتد عبر مراحل زمنية مختلفة، ما أوجد تفاوتاً في مستويات الحداثة بين القوانين الاقتصادية وبقية التشريعات الإدارية والتجارية. ويظهر ذلك بوضوح في مجالات، مثل: الإجراءات، وتسوية المنازعات، والتحكيم، وتشريعات المعاملات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي... الخ.
وهذا ما يقتضي استكمال نهج إصلاحي شامل يُعيد ضبط البنية التشريعية على نحوٍ متكاملٍ ومتسق، بما يعزز وحدتها الداخلية، ويضمن قُدرتها على مواكبة التحوُّلات الاقتصادية والتقنية المتسارعة.
* كاتب ومستشار قانوني