عبدالعزيز الخطيب... بصمات صامتة في حفظ الأرشيف الوطني

نشر في 27-04-2026
آخر تحديث 26-04-2026 | 18:58
 د. فيصل عادل الوزان

كلما زرت مركز البحوث والدراسات الكويتية، استوقفني ذلك الحضور الهادئ للأخ الفاضل الأستاذ عبدالعزيز الخطيب، رجلٌ لا يحب الضجيج، ولا تستهويه الأضواء، رجلٌ نذر نفسه ليكون الجسر الذي تعبر عليه وثائقنا الكويتية من غياهب الضياع إلى نور الحفظ والرقمنة. أبوسعود، ذلك المخلص الذي يقف بكل تواضع ومحبة خلف مشاريع كبرى حفظت للكويت أرشيفها الوطني، ورقمنت وفهرست ملايين الوثائق الحكومية والأهلية، لتكون زاداً للدولة وللباحثين.

لا يمكن الحديث عن مسيرة عبدالعزيز الخطيب من دون استحضار رحلة الوفاء التي جمعته برفيق دربه الأستاذ الدكتور عبدالله الغنيم. بدأت هذه الرحلة من أروقة جامعة الكويت قبل الغزو العراقي الغاشم، ثم قسم التراث العربي بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، حيث كان له دور كبير في جمع المخطوطات العربية، لكنها تجلَّت في أبهى صور التضحية والوطنية خلال سنوات ما بعد التحرير. فبينما كانت الجراح لم تندمل بعد، كان عبدالعزيز الخطيب يزرع المخافر المهجورة والخنادق، يجمع شتات وثائق «العدوان العراقي» بعد هروب واستسلام الجيش العراقي، مدركاً منذ اللحظة الأولى أن الحقيقة تُحفظ بالورقة والدليل.

هذا الثنائي الوطني انتقل بالعمل من مرحلة التأسيس في المنصورية، وصولاً إلى الإشراف على تشييد المعلم الحضاري الحالي، برج مركز البحوث والدراسات الكويتية في منطقة شرق، الذي يقف اليوم شاهداً على جهودٍ لم تكلّ وعزيمة لم تلن.

وقد سار في رحلة الخطيب المهنية أصحابه الذين يستحق كل منهم صفحات تُنير جهودهم المجهولة، فالفريق الذي يعمل في مركز البحوث فريق نادر الجودة والإتقان. 

لقد أفادني الأستاذ عبدالعزيز شخصياً في رحلتي العلمية مع الكتابة والتأليف، ولم يبخل يوماً بتوجيه أو تيسير مادة تاريخية، حاله في ذلك حاله مع كل باحث يقصد المركز. فهو يرى في الوثيقة أمانة وطنية يجب أن تُصان وتُتاح. وتحت إشرافه، تحوَّلت ملايين الأوراق المبعثرة إلى قواعد بيانات رقمية وفهارس دقيقة، وهو عمل تقني ومضنٍ يتطلب صبراً أيوبياً ودقة متناهية، وهما صفتان متجذرتان في شخصية «أبوسعود».

ولأنه رجل العلم والمودة، فقد كان الوجه المشرف للكويت ولمركز البحوث والدراسات الكويتية في معظم معارض الكتاب الدولية حول العالم العربي. لم يزر بلداً إلا وترك فيه أثراً طيباً، وصنع لنفسه ولبلده شبكة واسعة من المعارف والأصدقاء الذين يقدرون فيه ذلك المزيج النادر من الإخلاص المهني والوفاء الإنساني.

إننا اليوم أمام نموذج استثنائي للموظف العام والإنسان المخلص، رجلٌ آمن بأن خدمة الوطن تكون أحياناً بـ «الهدوء والعمل خلف الستار». عبدالعزيز الخطيب (أبوسعود) هو الجندي الذي رمَّم ذاكرتنا الوطنية بصمت، وفهرس تاريخنا بمحبة، واستحق منا اليوم كل التقدير والثناء.

شكراً «أبوسعود» على كل ما قدَّمته للكويت وللباحثين، وشكراً لوفائك الذي ظل بوصلةً لم تخطئ الطريق يوماً.

إن تكريم هؤلاء الرجال هو تكريم للقيم التي يمثلونها، قيم الإخلاص، والزهد في المظاهر، والوفاء للأصدقاء وللوطن. 

حفظ الله عبدالعزيز الخطيب، وأمدَّه بالصحة، ليبقى ركناً شامخاً في صرحنا الثقافي.

back to top