على الطريق...: إيران بين ضغوط الداخل وتحولات الخارج
يبدو المشهد الإيراني اليوم كأنه يقف عند مفترق طُرقٍ حاد، حيث تتقاطع حسابات السياسة مع ضغوط الواقع الميداني بطريقةٍ تكشف عن قدرٍ من الارتباك في إدارة الأزمات. فالتقليد التفاوضي الذي طالما اعتمدته طهران، والقائم على الصبر الاستراتيجي وتراكم الأوراق، لم يعد يصلح اليوم، ولا يعمل بالكفاءة نفسها، في ظل ما تعرَّضت له من قتلٍ لقياداتها، ودمارٍ لآلتها العسكرية والبنية التحتية، ووجود بيئة إقليمية ودولية متغيِّرة وضغوط غير مسبوقة.
وفي أوقات السِّلم حاول النظام الإيراني بناء نموذجٍ تفاوضي يقوم على كسب الوقت، وتفكيك مواقف الخصوم، واستثمار التناقضات الدولية، غير أن هذا النموذج يبدو أقل فاعلية عندما تكون البلاد في وضعٍ دفاعي وتحت وطأة خسائر سياسية أو ميدانية، حيث تُصبح القدرة على المناورة محدودة، وتتحوَّل لغة الشروط المرتفعة إلى عبءٍ أكثر منها ورقة قوة.
ما يلفت الانتباه، هو التباين بين الخطاب المُعلن والسلوك الفعلي، فمن جهة تستمر التصريحات الرسمية في التأكيد على الصمود وفرض الشروط، ومن جهة أخرى تظهر مؤشرات على إعادة ترتيب الأولويات، وربما تقديم تنازلات غير معلنة في ملفات كانت تُعد سابقاً «خطوطاً حُمرا». هذا التناقض لا يمرُّ من دون أن يترك أثراً على صورة النظام الإيراني لدى خصومها وحتى حلفائها.
في السياق الإقليمي يبرز الملف اللبناني مثالاً معبِّراً عن هذا التحوُّل، فالتغيُّر في طبيعة المواقف وفتح قنوات تفاوض بمعزلٍ عن إيران، وبوساطات دولية، يعكس واقعاً جديداً قد تكون فيه الحسابات المحلية للدول أكثر استقلالاً عن الإطار الإقليمي الذي كان سائداً في السابق، وهو ما يطرح تساؤلات حول تفكك ما كان يُعرف بمحور واحد في مواجهة التحديات.
على الصعيد الدولي تبدو الفجوة أوسع بين طهران وواشنطن. فالإدارة الأميركية، أياً كان توجهها، تنظر إلى شروط تُطرح من موقع ضعف على أنها غير واقعية، مما يقلل فرص الوصول إلى تسويات سريعة. وفي المقابل، قد ترى إيران أن التراجع العلني مُكلف داخلياً، مما يدفعها إلى التشدُّد في الخطاب، حتى لو كانت الخيارات الفعلية محدودة.
في النهاية، لا يمكن قراءة المشهد الإيراني بمعزلٍ عن تعقيدات الداخل، والخلاف بين الأجنحة، وضغوط الخارج، لكن المؤكد أن المرحلة الحالية تتطلَّب أدوات مختلفة عن تلك التي نجحت في الماضي. فالعالم تغيَّر، ومعه تغيَّرت قواعد التفاوض، وأي تجاهلٍ لذلك قد يجعل الفجوة بين الطموح والواقع أكثر اتساعاً، ويضع صانع القرار أمام خيارات أكثر صعوبةً في المستقبل القريب.