رياح وأوتاد: تعالوا نفرز ونتزيّل
أثناء الدراسة في السويد، تعلّمنا أن الفرز هو أساس مهم في صناعة الأدوية، حيث يتم فصل المواد الأولية الجيدة عن غير الجيدة، وتلك التالفة بسبب خلل فيها أو في تخزينها عن المواد الصالحة، وحتى المنتج النهائي يتم فحصه بمختلف الطرق لفصل أي كبسولة أو أمبولة متضررة عن بقية التشغيلة، وهذا تقوم به رقابة الجودة (quality control).
ويبدو أن الفرز والتفريق بين الجيد والفاسد هو أساس أيضاً في الدول، حيث يشمل جميع أعمالها، فالمحاكم تفصل بين المواطن الملتزم والمواطن الذي خالف القانون وتحكم بالعقوبة المناسبة، فهي تشابه عمل رقابة الجودة، وكذلك فإن جميع أجهزة الدولة تقوم بعمل هذا الفرز بشكل أو بآخر، مثل اختيار الشخص المناسب للتعيين وللوظائف القيادية، وكذلك تعمل على فرز الموظف المنتج الذي يستحق المكافأة من الموظف المهمل، وكذلك الفرز يؤدي إلى اكتشاف مَن يستحق الجنسية ممن لا يستحقها، ومَن يجدر سحبها منه ومن لا تُسحب منه، وأيضاً ضرورة التمييز بين مَن يستحق المساعدة الاجتماعية ومَن لا يستحقها، وكذلك، فإن القاعدة نفسها تطبّق في الحكم على مجلس الأمة وإيجابيات وسلبيات مختلف أعضائه، ولا نبالغ إذا قلنا إن الفرز العلمي الصحيح هو سبب تفوّق الدول الغربية التي وضعت مواصفات ومقاييس دقيقة لكل المواد والأعمال.
المهم أن يقوم بهذا الفرز مَن هو عالم بالقانون وبجميع جوانب الموضوع الذي يتم فرزه وحسب معايير وقواعد ثابتة لا تترك مجالاً للتدخل والهوى الشخصي أو الواسطة أو مكانة العائلة.
وإذا تأملنا كلام الله تعالى في القرآن الكريم لوجدنا هذا الأساس في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ» (سورة الأنفال)، وقوله سبحانه: «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (سورة القلم)، وقوله: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (سورة الزمر).
إذاً فيجب أن يكون للحكومة مقياس شرعي وقانوني دقيق للحكم به على الناس وأعمالهم في جميع هذه الأمور، بحيث يكافأ المحسن ولا يُظلم أحد ولا يؤخذ البريء بجريرة المسيء.
ومن الدروس العظيمة في هذا الشأن ما جاء في سورة الفتح، حيث قال تعالى: «وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا»، فيخبرنا سبحانه أنه منع المسلمين من القتال في الحديبية لأن القتال كان سيتسبب في قتل رجال مؤمنين ونساء مؤمنات يكتمون إيمانهم في مكة (مختلطين بالكافرين وغير مفروزين)، فمنع الله قتال المشركين لكي لا يتم إيذاء هؤلاء المسلمين وقتلهم، وأنهم لو تزيلوا - أي انفصل المسلمون عن الكافرين - لأمر سبحانه بالقتال.
أي أن الله تعالى منع القرار العام بالقتال لكي لا يتأذى الأبرياء المختلطون بغيرهم.
الخلاصة: نعم للقرارات العلمية الدقيقة التي تفرّق بين المحسن والمسيء في كل الأمور، ولا للقرارات التي لا تفرّق بين مَن أحسن ومَن أساء ومَن لم يسئ.