البازار في مأزقِ الزَّمن

نشر في 26-04-2026
آخر تحديث 25-04-2026 | 19:28
 د. نور محمد الحبشي

ليست طاولات التفاوض مجرّد مساحاتٍ لتبادل العبارات، بل ميادين تُختبر فيها أعصاب الدول، وتُقاس فيها قدرة العقول على إدارة الزمن قبل إدارة الكلمات. وفي هذا السياق، قدّم عباس عراقجي، في كتابه قوة التفاوض، شهادةً نادرة تكشف البنية العميقة لما يُعرف بأسلوب «البازار» الإيراني، ذاك الذي لا يقوم على الحسم بقدر ما يقوم على الإطالة، ولا على القطيعة بقدر ما يتقن فنّ الإرجاء، حتى يُرهَق الخصم ويُدفع -طوعاً أو كرهاً- إلى تقديم التنازلات.

في فلسفة عراقجي، لا يجوز للمفاوض أن يغادر مقعده، لا مجازاً ولا حقيقة. فالمقعد، في هذا المنطق، ليس قطعة أثاث، بل موقع سيادي، والغياب عنه -ولو للحظة- ثغرة قد تتسلّل منها بنودٌ ملغومة أو صيغٌ مراوغة. لذلك، تُدار الجلسات بعينٍ مفتوحة على النص، وأخرى على الزمن، في اجتماعاتٍ قد تمتد إلى ساعات الفجر الأولى، حيث يتحوّل الإرهاق إلى أداة ضغط، وتغدو عبارة «نعم، ولكن» تقنيةً مدروسة لتعطيل الإيقاع وكسر اندفاعة الطرف الآخر.

ولعل ذروة هذا النهج تجلّت في مفاوضات فيينا الممتدة، حيث تداخلت السياسة مع القدرة على التحمّل، وبلغ الضغط حدّاً دفع شخصياتٍ تفاوضية بارزة، مثل ويندي شيرمن، إلى الإنهاك العاطفي بعد أسابيع من الشدّ المستمر. هناك، لم تكن الأوراق وحدها هي التي تُستنزف، بل البشر أيضاً.

غير أن هذا «الاقتصاد في الحسم» يواجه اليوم اختباراً قاسياً، فالمشهد الدولي تبدّل، والخصم لم يعد هو ذاته. بين إدارة باراك أوباما التي أتاحت مساحاتٍ واسعة للمناورة، وعودة دونالد ترامب بأسلوبٍ يميل إلى الصدمة والتسريع، تبدّلت قواعد الاشتباك التفاوضي. لم يعد الزمن حليفاً مضموناً لطهران، بل تحوّل إلى عاملٍ ضاغطٍ عليها، في بيئةٍ لا تكافئ الإطالة بقدر ما تعاقب عليها.

إن الرهان على استنزاف الخصم عبر طول النفس -وهو رهانٌ نجح في مراحل سابقة- يصطدم اليوم بعقليةٍ تفاوضية ترى في الوقت مورداً نادراً لا يُهدر، وأداةً للحسم لا للمراوحة. ومن ثمّ، فإن مقولة «من ينسج سجادةً في عشرين عاماً يفرض شروطه» تفقد بريقها أمام إدارةٍ لا تؤمن أصلاً بمنطق الانتظار الطويل.

وفي موازاة هذا التحوّل، تبدو بعض السرديات الإقليمية بحاجةٍ إلى مراجعة، فدول الخليج العربي، التي صُوِّرت أحياناً كغائبة عن مسرح التفاوض، كانت -في الحقيقة- حاضرةً عبر قنواتٍ ذكية، وأدوارٍ وسيطة، وشبكات تحالفٍ مرنة، من بينها أدوار اضطلعت بها باكستان، بما يضمن تمثيل المصالح دون ضجيجٍ إعلامي.

لقد أثبتت هذه الدول أن الحضور لا يُقاس بارتفاع الصوت، بل بعمق التأثير، وأن الصلابة لا تعني التصلّب، بل القدرة على المناورة ضمن رؤيةٍ استراتيجية متماسكة، ومن يصفها بالهشاشة إنما يتجاهل معطيات القوة التي راكمتها -سياسياً وأمنياً واقتصادياً- في إقليمٍ لا يرحم الفراغ.

وقصارى القول: إن التفاوض في صورته المعاصرة لم يعد لعبة صبرٍ فقط، بل معادلة دقيقة بين الصبر والحسم، بين استثمار الوقت ومنع استنزافه. ومن لا يُحدّث أدواته، ويُعيد قراءة خصومه، فسيجد نفسه مقيداً بأساليبٍ وُلدت لزمنٍ مضى، في عالمٍ لا ينتظر أحداً.

 

back to top