من المضيق إلى المضيق

نشر في 26-04-2026
آخر تحديث 25-04-2026 | 19:25
 أ. د. فيصل الشريفي

جاءت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المعروفة باسم «ميثاق جامايكا»، لتنظيم حركة الملاحة البحرية، حيث دخلت حيِّز التنفيذ في نوفمبر 1994، لكن هناك بعض الدول لم تُصادق عليها، منها: الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والولايات المتحدة الأميركية.

تأتي أهمية مضيق هرمز باعتباره أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يربط الخليج العربي مع خليج عمان والمحيط الهندي، ويتدفق من خلاله خُمس إمدادات الطاقة العالمية من النفط والغاز.

ورغم أن مضيق هرمز يخضع لمفهوم «المرور العابر» من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- الجزء الثالث، فإن النظام الإيراني يُصرُّ على تطبيق المواد المتعلقة بـ «الممر البريء»، لتبرير إغلاقه، واستخدامه وسيلة ضغط، بغية رفع كُلفة الحرب على المنطقة والعالم.

ولدعم هذه السَّردية أثار أحد المحللين السياسيين المحسوبين على إيران خلال الفترة الماضية حق إيران في استخدام المرور البريء، مستشهداً بالمادة 14 من قانون جامايكا، والتي ليس لها أي علاقة بهذا المفهوم، وفي ذات الوقت تغافَل المواد 17,18,19 المنظمة لقواعد المرور البريء، كما جاء في القانون المنظِّم لحركة الملاحة عبر البحر الإقليمي لدولة ساحلية، بشرط ألا يضر هذا المرور بسلامتها أو نظامها أو أمنها، فضلاً عن أن هذا المفهوم لم يكن بالجديد، فقد تناولته المادة 14 من اتفاقية جنيف للبحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة لعام 1958، والتي تنص على أن «سفن جميع الدول، سواء كانت ساحلية أو غير ساحلية، تتمتع بحق المرور البريء عبر البحر الإقليمي»، كما تُعرِّفه بـ «حق الملاحة المستمرة والسريعة».

في المقابل، ومن خلال تفسير السياقات القانونية والفنية لمضيق هرمز، فإنه تنطبق عليه مواد حق المرور العابر المرتبط بالمرور المستمر والسريع، بما في ذلك قُدرة الغواصات على المرور وهي مغمورة. وهذا الحق أكثر تحرُّراً من حق المرور البريء، كما لا يمكن للدولة الساحلية المشاطئة تعليق حق الملاحة فيه.

وحتى لا يُساء استخدام هذه المادة، فإن الممر البحري بمضيق هرمز يقع ضمن نطاق الممر العابر، وعليه لا يحق للدول المشاطئة، سواء كانت جمهورية إيران أو سلطنة عمان، منع حُرية الملاحة البحرية تحت أي مسوغٍ قانوني، فضلاً عن انتفاء حاجة السفن لأخذ الإذن من كلا البلدين بسبب عدم دخولها في مياههما الإقليمية.

المحصلة: إيران استخدمت المضيق ورقة ضغط لرفع كُلفة الحرب منذ اللحظة الأولى، فيما أميركا استخدمته لخنق الاقتصاد الإيراني. فهل ينجح المضيق في التوصل إلى اتفاق، أم سيكون الجدار الذي تتحطَّم عليه فُرص السَّلام؟

الأنظار تتجه إلى باكستان، فيما الواقع يُشير إلى مشهدٍ آخر، وإلى واقع الداخل الإيراني والأميركي، وإلى ما ستُفضي إليه الأحداث في لبنان وفلسطين، وكيف يمكن السيطرة على جماح إسرائيل.

نقطة أخيرة: الإيراني والأميركي قدَّما بعض التنازلات والكثير من الخسائر، لكن مشكلتهما في خطاب النصر. فلو اتخذا من الصمت حِكمة، وكفَّا ألسنتهما عن التصريحات خلال الساعات الماضية من دون مكابرة، كما يفعل الوسيط الباكستاني، لتوصَّلا إلى اتفاقٍ يُنهي حالة الصراع.

 

back to top