الاستقالة الصامتة

نشر في 24-04-2026
آخر تحديث 23-04-2026 | 18:21
 د. جاسم الجزاع

تُعرف الاستقالة لدى كثير منا في مفهومها التقليدي بأنها الإجراء الإداري والقانوني الذي ينهي به الموظف علاقته بجهة العمل، وغالباً ما تكون مدفوعة بالرغبة في البحث عن بيئة أفضل أو فرص نمو أوسع أو احتجاج على وضع راهن، إلا أن الكتابات الإدارية الحديثة كشفت عن نوعٍ أكثر خطورة وأقل ضجيجاً، وهو ما يُصطلح عليه بـ «الاستقالة الداخلية»، ففي هذه الحالة، لا يغادر الموظف مكتبه جسدياً، بل ينسحب عاطفياً وذهنياً من بيئة العمل، فيكتفي بأداء الحد الأدنى من المهام المطلوبة منه دون أي روح إبداعية أو مبادرات ابتكارية، متحولاً إلى «موظف صامت» يقضي ساعات دوامه في حالة من الانزواء التام، وهذا الانفصال يأتي بمنزلة صرخة صامتة تجاه بيئة لم تعد توفر له التقدير أو الأمان النفسي.

وتتعدد الأسباب الكامنة وراء هذا الانزواء الداخلي، لكن يظل أسلوب القيادة في المؤسسات هو المتهم الأول في هذه الحالة الإدارية، فعندما تنتهج الإدارة أسلوب «الإدارة المجهرية» التي تخنق الموظف بالتفاصيل، أو عندما يسود التهميش والظلم في توزيع المهام والمكافآت، يبدأ الموظف في الشعور بأن طاقته مستنزفة بلا طائل، كما أن غياب قنوات التواصل الفعالة وسيطرة القادة الذين يركزون على الأرقام ويتجاهلون «الإنسان» داخل الموظف، يخلق فجوة من عدم الثقة، وبمرور الوقت يجد الموظف الصامت أن الحل الوحيد لحماية صحته النفسية هو التوقف عن الاهتمام بالعمل، والانعزال خلف شاشته على مكتبه، وتجنب أي احتكاك مع القيادة أو الزملاء، مما يؤدي إلى تراجع حاد في الإنتاجية وتسمم ثقافة العمل العامة.

لذلك نجد أن هذه الحالة تتطلب علاجاً جذرياً يبدأ بإعادة صياغة العلاقة بين القائد وفريقه، فالإنسان قبل أن يكون منتِجاً هو كائن يبحث عن المعنى والتقدير، فتبدأ الحلول بتبني القيادة الشمولية التي تستمع للموظف، وتمنح الموظف مساحة من الاستقلالية والتمكين ليشعر بقيمته المضافة، كما يجب تفعيل برامج الأمان النفسي وفتح حوارات دورية صادقة تهدف إلى فهم احتياجات الموظفين قبل وصولهم إلى مرحلة الانطفاء والانزواء، فإن مواجهة «الاستقالة الداخلية» لا تكمن في فرض المزيد من الرقابة، بل في زرع بذور الانتماء للعمل مجدداً، وتحويل بيئة العمل من مجرد مكان للوظيفة إلى فضاء يشعر فيه الموظف بأن وجوده وصوته يشكلان قيمة حقيقية، فالموظف الذي يشعر بالتقدير لن يفكر يوماً في المغادرة، لا جسدياً ولا روحياً.

*باحث اكاديمي

back to top