نحن نصنع الأثر
قال النبي ﷺ: «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه»، هذا الحديث يرسم مبدأً عظيماً في أثر الإنسان بالحياة، أن يكون مفتاحاً للخير سبباً للنفع لا مصدراً للأذى وإزعاج الآخرين، فالقيمة الحقيقية للإنسان تُقاس بما يقدمه من خير للناس وما يتركه من أثر طيب فيهم، ومن هنا نختار الحكمة حين يضج الآخرون ونملك الحسم حين يلزم الأمر، وليست هذه مجرد عبارة بل ميثاق وعي راسخ في زحام الحياة، حيث يتمايز الناس بين قوم يستهلكهم القيل والقال، وينشغلون بما لا ينفع من تتبع الكلام وتضخيم التفاصيل التي لا تبني ولا ترفع، وقوم جعلوا الخير والمعروف والإحسان منهج حياة، يسعون إلى نفع الناس وصون كرامتهم ونشر الأثر الطيب بينهم، ولا يكتفون بخير أنفسهم، بل يوسعون الخير ليشمل الناس جميعاً، ويحبون لهم ما يحبونه لأنفسهم من خير.
نستطيع أن ننجر خلف الضجيج أو نضيع أوقاتنا فيما لا يليق، لكننا نختار ما هو أبقى للكرامة والاتزان وسمو النفس، وفي ردودنا ضبط لا يخرج عن الحكمة وفي قراراتنا وعي لا تقوده الانفعالات، نختار الحكمة حين يضج الآخرون ونملك الحسم حين يلزم الأمر، ننشغل نحن بإنجازاتنا وبناء ذواتنا وصناعة أثر يليق بنا، ونستثمر وقتنا فيما ينفع لا فيما يستنزف، ونرتقي بأنفسنا بدل أن ننشغل بغيرنا، ونؤمن بأن الخير قيمة عليا، وأن الإنسان كلما ازداد حباً للخير للناس ازداد أثره وارتقى مقامه، وأن نشر الخير بين الناس من أعظم ما يترك بصمة لا تزول، وأن يكون الإنسان نافعاً أينما حلّ، خيره يصل للناس في وجوده، ويترك أثره الجميل حتى في غيابه، فيُذكر بالخير وتشتاق له القلوب، وكن في الناس كالغيث إن وقع نفع وإن غاب حنّوا إليه.