التربية المثالية
كثرت المدارس التربوية، وكثرت مصطلحاتها على الألسن: تنمية المهارات، وتعزيز الثقة، والتربية الإيجابية، وبناء الشخصية... حتى ليخيَّل للمرء أن الأمر صناعةٌ تُدار بأدوات معلومة، وأن الطفل مشروعٌ يُنجَز بخطة مُحكمة. وهنا يبرز السؤال الذي لا مناص منه: هل يكفي أن نُربِّي أبناءنا بالتوصيات التربوية الحديثة؟
فهل أربِّي ابني على منهج المدرسة الإنسانية بأفكار Carl Rogers، التي تقول: الإنسان بطبعه يُريد أن ينمو ويتطوَّر، أعطه التقدير لتزيد ثقته؟ هذا صحيح، لكن التركيز الزائد على الجانب العاطفي قد يُضعف أحياناً الحزم التربوي الضروري. فقد يُنتج جيلاً يرفض النقد ولا يتحمَّل الإخفاق.
أم أربيه على المدرسة البنائية لـ Jean Piaget، التي تقول: دعه يكتشف ويجرِّب، فالطفل يبني معرفته بنفسه؟ وهذا أيضاً صحيح، لكنه يستهلك من المربِّي جهداً مضاعفاً في تصميم بيئةٍ مناسبة لا يملكها كثيرون. أم على التربية الإيجابية بأفكار Alfred Adler، التي أبدلت العقاب بالتشجيع والفهم؟ وهي خطوةٌ جوهرية في بناء شخصية منضبطة، إلا أن تطبيقها يتطلَّب صبراً هائلاً، وكثيراً ما تُفهم خطأً على أنها تساهلٌ مُطلق وغياب للحزم.
أم أربيه على المدرسة الاستقلالية (مونتيسوري)، التي تؤمن بأن الطفل قادر على التعلُّم وحده، إذا وضعته في بيئة ٍمُهيَّأة بعنايةٍ تمنحه حُرية الاختيار والاستكشاف؟ هذا يبني استقلاليته، ويعزز ثقته بنفسه، لكن تطبيق هذا النموذج يحتاج إلى إمكانات مادية وتنظيمية ليست متاحة للجميع.
أم أجرِّب التربية التقدمية لـ John Dewey، التي تركِّز على العمل الجماعي، وتعد القادة، لكنها للأسف تأتي على حساب الأساس المعرفي؟ أم أختار المدرسة السلوكية لـ B. F. Skinner، التي تركِّز على تعديل السلوك بالمكافأة؟ غير أن خطرها الحقيقي أنها قد تُحوِّل الطفل إلى إنسان نفعي لا يتحرَّك إلا إذا رأى الجائزة أمامه، فيضعف فيه الوازع الداخلي، الذي هو أثمن من كل جائزة.
والسؤال: لو فرضنا جدلاً أننا عرفنا الطُّرق الأنسب لتربية الأبناء، وعرفنا متى نقدِّم مدرسة على أخرى، فهل هذا يضمن لنا أن نصنع ابناً صالحاً لا يُفسده الزمن؟!
إن التربية ليست طُرقاً ومدارس لضبط السلوك فقط، بل هي اجتهاد لا ينتهي، ودعاءٌ لا يفتر. فقد رُوي عن الفضيل بن عياض (عابد الحرمين)، الذي كان من أتقى الناس، أنه بذل قصارى جهده في تربية ابنه علي بالرعاية الكريمة والعلم النافع، ولم يكتفِ بذلك فحسب، فكان يتضرَّع إلى الله، ويدعو: «اللهم إنك تعلم أني اجتهدت في تأديب علي فلم أستطع، اللهم فأدِّبه لي». فاستجاب الله دعاءه، حتى قال فيهما ابن المبارك: «خير الناس الفضيل بن عياض، وخير منه ابنه علي». فانظر إلى هذا الإمام القدوة كيف يسلِّم الأمر لربه، بعد أن أخذ بكل أسباب التربية بحقها مع الدعاء اليومي لصلاح الأبناء. لم يقل: هذا أفضل منهج، وهذه أفضل طريقة، بل عرف أن صلاح القلوب بيد خالقها يقلبها حيث يشاء، وفهم أن تربيتنا ما هي إلا عبادة وسبب، وأن البركة بيد الله.
يقول النبي ﷺ: «أنا دعوة أبي إبراهيم».