«التعليم عن بعد».. أفضل الحلول في الأزمات وأصوات تُحذّر من مخاطره

• السويد تُعيد النظر في استراتيجيتها الرقمية: التكنولوجيا رغم فوائدها لا يمكن أن تحل محل الكتاب التقليدي
• العيسى لـ«الجريدة»: خلط بين التعلم الإلكتروني و«التعليم عن بعد».. و«الرقمي المدمج» الطريق لتعليم ابتكاري إبداعي
• الشريكة لـ«الجريدة»: الكتاب الورقي يعزز التركيز ويقوي الذاكرة... والتعليم المدمج أكثر قدرة على إعداد الطالب للمستقبل
• بدر بن غيث: الاعتماد الكلي على الأجهزة اللوحية في مراحل التأسيس خطر على المتعلم يضعف اكتسابه المهارات
• الجناع: الكتب هو الوسيلة الأفضل في تعليم الطفل وأثره إيجابي على صقل شخصيته

نشر في 23-04-2026
آخر تحديث 23-04-2026 | 21:27
No Image Caption

 

 

رغم أهمية أنظمة «التعليم عن بعد»، وكفاءتها كأحد أفضل الحلول لاستمرار العملية التعليمية بأوقات الأزمات والكوارث والحروب، ومع ما رافق تطبيقاتها من تحسينات خلال السنوات الماضية، إلا أن الأصوات التربوية التي باتت تُحذّر من خطورة الإفراط في استخدامها بديلاً كاملاً عن التعليم التقليدي بدأت تتعالى حيث صار التربويون يحذرون من خطورة اعتماد الأطفال على الشاشات وإدمان استخدامها لفترات طويلة لما لها من أضرار نفسيه وتطورية عليهم.

ولعل من أبرز الدول التي انظمت لهذا الركب المحذر من خطورة الشاشات وأثرها كانت مملكة السويد، التي أعلنت إعادة النظر فيما عرف آنذاك بالاستراتيجية الرقمية عام 2022، فقد عادت وزارة التربية والتعليم في السويد وأعلنت بعد أربع سنوات أن التكنولوجيا ومهما كانت فوائدها لا يمكن أن تحل محل الكتاب التقليدي في مراحل التعليم الأساسية، حيث خلصت الوزارة وخبراء التربية والتعليم إلى أن تراجع قدرات التلاميذ في مهارات القراءة والكتابة يرتبط ارتباطا وثيقا بالاستخدام المتزايد للأجهزة اللوحية والوقت الطويل الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، منوهة إلى أن الوقت الذي يتم استقطاعه من مهارات القراءة والكتابة والمعرفة التي ألفها الطلاب لأجيال سابقة حين كان الطالب يجتهد من أجل اكتساب المعرفة.

وتخطط السويد من خلال مشروع قرار تبحثه الأجهزة التشريعية لحضر استخدام الطلاب للهواتف المحمولة في جميع المدارس الحكومية، والمقترح لا يشتمل على الفصول فقط وإنما يقضي بتطبيقه على كامل البيئة المدرسية، سواء في الاستراحة والأنشطة الرياضية والترفيهية.

كما تطرح دول مثل استراليا والسويد ودول أوربية أخرى قرارات وخطط ودراسات تستهدف استعادة أنماط التدريس والتعليم والمعروفة بعيدا عن بريق الشاشات وبرامج الذكاء الاصطناعي، وكل هذا من أجل استعادة قوة العقل البشري ودفعه للتعلم والابتكار.

«الجريدة» طرحت تساؤلاتها حول هذا الموضوع على التربويين والمختصين المحليين لاستقصاء آرائهم حيث رصدت وجهات نظرهم في هذا الموضوع.

بداية أكد وزير التربية والتعليم العالي الأسبق د. بدر العيسى وجود خلط بين التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد الذي يستخدم على نطاق واسع في كل المراحل التعليمية، لافتا إلى أن التعليم الإلكتروني يستخدم داخل القاعات الدراسية باستخدام برامج تعليمية متخصصة تساعد على التوضيح الدقيق ويضمن تفاعلاً شخصياً بين المعلم و طلابه وذلك لكونه يستخدم التعليم عبر الإنترنت كأسلوب تعلم مدمج مع استراتيجيات التعليم العام ويطلق عليه أيضا التعليم المدمج وهذا له منصات خاصة فيه.

وقال العيسى لـ«الجريدة»، إن التعليم عن بعد لا يوجد به أي تفاعل شخصي بين المعلم وطلابه، حيث يتلقى الطلاب تعليمهم عبر الإنترنت دون الحاجة للتواجد في مكان معين ويصلح هذا النوع في أوقات الأزمات التي تمنع الطلاب من الحضور لقاعات الدراسة، مشددا على أهمية أن يعود الطلاب إلى قاعات الدراسة عند انتهاء الأزمة، منوها إلى أنه يستخدم أيضا مع الطلاب الذين يعيشون في مناطق بعيدة عن المراكز التعليمية.

وأضاف: "في كلا النوعين نحن نحتاج إلى اتصال إنترنت سريع ومدارس ذات فصول ذكية وأساتذة مدربين بثقافة الإنترنت وتشريعات تسند هذا النوع من التعليم، وفي السنوات الأخيرة دخلنا في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يحمل وجهان أحدهما مشرق والآخر مظلم، منوها إلى أننا بحاجة لأن يكون حديثنا عن التعلم الإلكتروني الذي يمارس داخل الفصل الدراسي والذي يطلق عليه أيضاً التعليم الرقمي الذي يعتمد على مجموعة من الخطوات والتقنيات التي تساهم في تحويل التعليم التقليدي إلى تعليم يعتمد على التكنولوجيا الرقمية التي تأخذنا إلى نقلة نوعية من الاستهلاك المعرفي إلى الإنتاج المعرفي وهذا ممكن أن يتم من خلال أدوات تكنولوجية وبالأخص للمجالات العلمية والطب والهندسة.

وأشار إلى أننا بحاجة لأن نثبت أن التعليم عبارة عن أنشطة اجتماعية وترفيهية وخصوصاً في المراحل الأولى من التعليم، وهذا سوف يقودنا إلى الابداع والابتكار وهذا يحتاج إلى وقت وجهد واستعداد وعمل مضني مع الحرص على القيام بالتقييم في كل مرحلة حتى نصل إلى هذا الابداع والابتكار.

ولفت إلى انه لا مناص من التعليم الرقمي المدمج مع التعليم التقليدي للحصول على تعليم ابتكاري، لافتا إلى أن دول مثل السويد وبريطانيا وفنلندا ركزت على التعليم الإلكتروني وابتعدت عن التعليم التقليدي وخففت من الحصص الدراسية والواجبات وهمشوا دور المعلم، لذلك ظهرت لديهم نتائج غير مرضية، فكل طريقة تعليم لها إيجابياتها وسلبياتها وعلينا أن نتجنب هذه السلبيات من خلال الدمج الرقمي والتقليدي.

وقال أنه يرى «أن مستقبل التعليم الإلكتروني المدمج مع التعليم التقليدي واعد وضرورة ملحة في الكويت ومن المتوقع ان يستمر هذا النوع من التعليم مع التوسع والنمو في المستقبل مع التحسينات المستمرة في التكنولوجيا مثل الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي وسيكون بإمكان الطلاب الحصول على تجارب تعلم أكثر فاعليه»، لافتا إلى أن التعليم الرقمي يمكن ان يساعد في جعل التعليم أكثر شمولاً ويسهل في تقليل الفجوات التعليمية بين الدول والمناطق.

وذكر أنه في نهاية الأمر يعتبر التعليم الإلكتروني خطوه كبيرة نحو تحديث التعليم وتوفير فرص تعلم مرنه ومتنوعة للطلاب في جميع أنحاء العالم وهذا لا يعني أنه يخلو من التحديات التقنية والانضباطية، مستدركا بأنه «هناك وجه مظلم للذكاء الاصطناعي على سبيل المثال، فهو يساعد على الابتعاد عن القراءة لكسب المعرفة، ويلعب بالعواطف ويحجب التفكير الذاتي ويستخدم لكي يفكر نيابة عنا».

واختتم العيسى قائلا: «يقول بيل قيتز: ان الذكاء الاصطناعي سوف يحل محل المعلمين و الاطباء والمهندسين في خلال العشر سنوات القادمة وهذا بالتأكيد امر مقلق بالنسبة لنا وفي نفس الوقت حقق الذكاء الاصطناعي نجاحات في مجالات متعددة ولا نزال في اول السلم، لافتا إلى أننا»لا نزال نحتاج إلى دراسات تقييمه للتعليم الإلكتروني".

أبعاد تربوية

بدوره قال مدير المركز العربي للبحوث التربوية لدول مجلس التعاون د. محمد الشريكة، إني اعتقد أن قرار السويد بالعودة إلى الكتاب الورقي في التعليم خطوة تحمل أبعادًا تربوية وسياسية، لكنها في الوقت نفسه تثير أسئلة إنسانية عميقة حول مستقبل الطالب في عالم سريع التحول، مشيرا إلى أن "الكتاب الورقي بلا شك يعزز التركيز ويقوي الذاكرة، وهو ما أشار إليه مدير قطاع التعليم في OECD أندرياس شلايشر حين أكد أن الورق يمنح الطالب فرصة للتعمق بعيدًا عن التشتت الرقمي.

وأضاف الشريكة، «لكننا لا يمكن أن نتجاهل أن حياة الطالب اليوم محاطة بالمحتوى الرقمي، وأن أدواته اليومية في التعلم والعمل والتواصل كلها قائمة على التكنولوجيا، وهو ما شدد عليه عالم التربية الفنلندي باسي سالبرغ حين قال إن التعليم الحديث يجب أن يهيئ الطالب لعالم رقمي لا أن يعزله عنه».

واشار إلى أن التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة تعليمية، بل أصبحت محركًا أساسيًا في الاقتصاد العالمي، وكل القطاعات من الصناعة إلى الخدمات تعتمد عليها بشكل شبه كامل، لذلك فإن الطالب الذي يُحرم من أدوات رقمية في تعليمه سيكون أقل قدرة على المنافسة في سوق العمل، وأقل استعدادًا للمشاركة الفاعلة في اقتصاد المستقبل.

وذكر الشريكة أن حق الطالب في تعليم ملائم لعصره الرقمي لا يقتصر على التفاعل مع النصوص الورقية، بل يشمل أيضًا التأهيل التكنولوجي الذي يضمن له أن يكون جزءًا من عجلة الاقتصاد العالمي.

واستطرد قائلا: من هنا، فإن القرار السويدي يبدو أقرب إلى رسالة سياسية تسعى من خلالها الدولة إلى إعادة تقديم نفسها كقوة تعليمية عالمية، عبر نموذج مختلف عن موجة التعليم الرقمي التي اجتاحت العالم. لكنه يظل قرارًا يحتاج إلى دراسة معمقة، وإلى صياغة متوازنة تضمن للطلاب الاستفادة من مزايا الورق دون أن يُحرموا من الأدوات الرقمية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية.

وشدد على أهمية التأكيد على أن ممارسات التعليم يجب أن تتسع لتحتوي الأنماط التقليدية والرقمية معًا، بحيث يجد الطالب في المدرسة امتدادًا لحياته الواقعية التي تتسم بالاعتماد شبه الكلي على المحتوى الرقمي والأدوات التكنولوجية، وفي الوقت نفسه يحافظ على مهاراته الأساسية في القراءة والكتابة والتفكير العميق، منوها إلى أن التعليم الحديث لا يمكن أن يكون أحادي الوسيلة، بل يجب أن يكون متعدد الأدوات، متوازنًا، ومرتبطًا بإنسانية الطالب واحتياجاته الواقعية، وفي الوقت نفسه مؤهلًا له تكنولوجيًا ليكون قادرًا على مواجهة تحديات الاقتصاد العالمي الذي تقوده التكنولوجيا.

التعليم المدمج

واختتم قائلا: "وإذا أردنا أن نثري النقاش أكثر، فإننا بحاجة إلى النظر في تجارب دول أخرى مثل فنلندا وألمانيا، حيث لم يُلغَ المحتوى الرقمي بل جرى دمجه بطرق مدروسة مع الوسائل التقليدية، مما أتاح للطلاب الاستفادة من كلا العالمين (التقليدي- الرقمي)، كما أن الدراسات الحديثة في التربية تؤكد أن التعليم المدمج، الذي يجمع بين الورق والرقمي، هو الأكثر قدرة على إعداد الطالب لمستقبل معقد ومتغير، والسويد اختارت الورق لتعيد التوازن، لكن التحدي الحقيقي هو أن لا يتحول هذا التوازن إلى إقصاء، بل إلى تكامل يضمن أن يظل التعليم جسرًا بين الماضي الورقي والحاضر الرقمي، وبين المدرسة والاقتصاد العالمي.

الأجهزة اللوحية

من جانبه قال المعلم بدر بن غيث أن الاعتماد الكلي على الأجهزة اللوحية في التعليم لمراحل التأسيس، خطر على المتعلم ويجعل اكتسابه للمهارات صعب جدا.

وأضاف بن غيث، «لقد عرفنا منهج وزارة التربية»مع حمد قلم«فتعلمنا بالقلم الكتابة والرسم وغيرها من المهارات، ولو صار الجيل الحالي يعتمد على الأجهزة والتعلم الرقمي فهذا يعني بأنه لن يتمكن من العمل والتعلم دون انترنت وجهاز»

وأشار إلى ان الاعتماد على الأجهزة سيجعل امساك القلم والريشة وغيرها من الأدوات اليدوية الإنتاجية بالنسبة له أمر صعبا وغير مألوف ومتعب ويعطيه إحساس بأن القلم وأدوات الكتابة لا نفع لها، مضيفا «ربما ستكون جزءا من متحف تاريخي».

وشدد بن غيث على أن وزارة التربية عليها الانتباه استمرار الاعتماد في مراحل التعليم الأولى على التكنولوجيا دون العودة للطبيعة واستخدام القلم والورق، مؤكدا على أنن لا زلنا نريد جيل يدرك أهمية التقدم ولكن مع أن يكون متمكنا كذلك من أدوات المعرفة وأهمها القلم

مراحل مختلفة

بدورها قالت الاسشارية الأسرية الباحثة موزة الجناع، إن التأكيد على أهمية الكتاب التقليدي «الورقي» امر محسوم فهو الوسيلة الأفضل في تعليم الطفل والطلاب في كل مراحله المختلفة لما لها من آثار ايجابيه علي معارف الطفل وخبراته المختلفة وصقل شخصيته«، مستدركة»لكن مع ظروف الحرب الحالية يفضل أن نلجأ الي التعليم عن بعد «اونلاين»، لكون الكويت ليست ببعيده عن مرمي الخطر من جميع النواحي، وحتي لا ينتاب الأطفال نوبات جزع وخوف من تبعات هذه الحرب التي لا نعلم متي تنتهي".

ولفتت إلى أن المعارف يمكن المساهمة في اكتسابها في المنزل، «فللوالدين أثر كبير علي أبناءهم بتلقي جميع المعلومات والخبرات منهم ثم يأتي دور المدرسة والمدرسات والزملاء».

وذكرت أن التعليم عن بعد في الوقت الحالي، والذي قد يكون له مساوئ علي المدي البعيد، لكنه في الوقت الحالي هو الحل الاسلم والآمن لطلابنا،، مشددة على ضرورة الحرص على عدم إطالة أمد استخدامه وأن يكون للوالدين دور في تعويد الطلاب على استخدام الوسائل التقليدية مثل القلم والورقة كي لا يفقد الطفل مهارات الإمساك بالقلم.

وأشارت الجناع إلى أن دولة الكويت توفر الدعم النفسي من خلال وسائل الاتصال للتحدث مع مختصين نفسيين مجانا، وهذه الخدمة لها أثر كبير على من يعاني من مشاكل نفسية أو اجتماعية بسبب الظروف الراهنة.

 

 

back to top