وجهة نظر: في زمن القلق... لا تبحث عن اليقين حين يصبح عدم اليقين هو القاعدة
كلما اضطربت الأسواق، سألنا السؤال نفسه: هل تغيّرت قواعد اللعبة؟
ومع كل توتر سياسي أو قرار اقتصادي مفاجئ، يتصاعد القلق: هل دخل العالم مرحلة مختلفة لا يمكن فهمها؟
ربما الإجابة الأدق ليست «نعم» أو «لا»، بل شيء أبسط:
القواعد لم تختفِ... لكننا اعتدنا وهم الاستقرار.
الاقتصاد العالمي لم يكن يوماً ثابتاً كما نتصور، ما يتغير اليوم ليس وجود المخاطر، بل سرعتها وحدّتها، وهذا ما يجعل المشهد يبدو أكثر تعقيداً.
المشكلة أن كثيراً من المستثمرين يخلطون بين عدم اليقين، وبين غياب القدرة على اتخاذ القرار، في الفترات الهادئة، يبدو التنبؤ والتوقعات سهلة، وكأن قراءة الاتجاهات والتحليلات تكفي لاتخاذ القرار، لكن في اللحظات الصعبة، تنكشف حدود هذه القناعة بسرعة.
العلاقات التي بدت مستقرة، والنماذج التي بدت دقيقة، قد تفشل فجأة في أول اختبار حقيقي، وهنا لا تكون المشكلة في نقص المعلومات، بل بالإفراط في الثقة بها.
لذلك، السؤال الأهم ليس: ماذا سيحدث غداً؟ بل: ماذا سأفعل إذا لم يحدث ما أتوقعه؟
هذا هو الفرق بين التوقع والانضباط.
في هذه البيئات، لا يكفي الصبر وحده، الأهم هو إدارة حجم التعرّض للمخاطر، بحيث لا يكون المستثمر رهينة لسيناريو واحد، الأهم ليس أن تكون واثقاً من رأيك، بل أن تلتزم بطريقة استثمار منضبطة، لأن السوق قد يتحرك عكس قناعاتك لفترة أطول مما تتوقع، والأخطر من التقلب نفسه، هو المبالغة في رد الفعل تجاهه.
الانضباط لا يعني معرفة الاتجاه القادم، بل الالتزام بخطة واضحة حتى في غياب الإجابات، وهو ما يعني الاستمرار في التنويع، وعدم تغيير القرارات مع كل خبر أو عنوان عاجل.
التاريخ يوضح فكرة مهمة: الأسواق لا تنتظر الطمأنينة، كثير من أكبر الارتفاعات حدثت في الأوقات الأكثر قلقاً، لا في أوقات الراحة. لذلك، من ينتظر وضوح الصورة بالكامل، غالبًا ما يكتشف أن الفرص تحركت قبله.
وهنا المفارقة التي لا يحبها كثيرون:
عدم الاستقرار ليس دائماً إشارة خروج... بل قد يكون جزءاً من تكلفة الأرباح والعوائد.
في عالم يتغير بسرعة، يصبح التحدي الحقيقي ليس في قراءة المستقبل، بل في السيطرة على ردود أفعالنا، لأن الخسائر الكبيرة في العادة لا تأتي من التقلبات نفسها، بل من القرارات المتسرعة التي تتبعها.
الخلاصة بسيطة، لكنها صعبة في التطبيق: عدم اليقين لا يُدار بكثرة التوقعات... بل بالاتزان.
في النهاية، السوق لا يكافئ الأذكى، بل يكافئ الأكثر انضباطاً.
* قسم التمويل - كلية العلوم الإدارية - جامعة الكويت