خذلان آخر العمر
في المستشفى رأيتها، امرأة كبيرة في السن بكرسي بعجلات، وعاملة منزل بجانبها، كادت تقع وهي تحاول أن تصعد بها إلى المصعد الكهربائي، فهرعت اليها دون تفكير، وأسندتها بيد ربما كانت أضعف من تحمُّل وجعها، قلت لها «سلامتك خالتي»، رفعت رأسها ونظرت إليّ ببرود.
دخلت أمامي الى الطبيب، وبعدها خرجت وهي تشير اليَّ لأقترب، وقالت إن هاتفها لا يعمل، لأن الطبيب يصرّ على توقيع أحد من أهلها، ولم يرد أحد على اتصالاتها، قدّمت لي هاتفها لأحاول الاتصال بهم، الأول لم يرد، والثاني أجاب بأنه في الطريق للمطار، ولا يستطيع أن يلغي رحلته لأجلها، وقال الكلمة التي كسرت قلبي «مرة عيوز تعبانة طول الوقت»!
تظاهرت أن الاتصال بيننا انقطع وبأنه يخبرها أنه في الطائرة ومستعد أن يعود لأجلها، لكنها نظرت إلى عيني، وتتابع المشهد بصمت غريب، كأنها لا تنتظر شيئاً، كأنها تعودت ألّا يأتي أحد، ثم ذرفت دمعة، وقالت بصوت مكسور لا يشبه شكوى بقدر ما يشبه اعترافاً موجعاً «راح العمر وما عرفت أربّي».
توقفت عند هذه الجملة طويلاً، كيف لعُمر كامل من العطاء أن ينتهي بلوم الذات؟! كيف تصل أم إلى هذه القسوة على نفسها، فقط لأنها لم تجد أبناءها في هذه اللحظة التي احتاجتهم فيها؟
في تلك اللحظة، أدركت أن العقوق ليس دائماً ما نظنّه، ليس بالضرورة صوتاً مرتفعاً أو إساءة مباشرة، فقد يكون موجعاً مؤلماً على شكل صمت وغياب وفراغ في المكان الذي يجب أن يكون فيه الابن.
حين يتحول العطاء الى أمر مفروغ منه، وحين نؤجل الاتصال، وحين نختصر الزيارة، ونتثاقل تفاصيل صغيرة كنّا يوماً نعيش عليها، نظنها عابرة، لكنها في قلوبهم تتراكم، وتترك جرحاً لا يُرى... لكنه مؤلم.
الأم التي كان جرحك الصغير في إصبعك هو جرح في قلبها، الأب الذي قضى العمر يركض ليؤمّن لك حياة كريمة، لا يطلبان الكثير حين يكبران، يطلبان فقط ألا يصبحا هامشاً في يومك أو منسيَين، وحين يشعران بذلك لن يقولا شيئاً، بل سيتجرّعان المرارة في صمت وحسرة تُدمي قلبيهما.
نكتب للغرباء كلمات طويلة وضحكات كثيرة، ونختصر مشاعرنا مع أقرب الناس في عبارة سريعة «مشغول الآن»!
نحافظ على علاقاتنا الاجتماعية من معارف وأصدقاء، لكننا نهمل العلاقة الوحيدة التي لا تعوّض، ننسى أن البِرّ لا يحتاج الى مناسبة، وأن الحضور، أحيانا كثيرة، يساوي كل شيء لديهم.
والحقيقة التي نهرب منها، أن الوقت لا ينتظر، سيأتي يوم نبحث فيه عن أصواتهم، فلا نجدها، وعن تفاصيلهم الصغيرة التي كنّا نظنها عادية، فنكتشف أنها كانت الحياة نفسها... وعندها لن ينفع الندم، ولن تعيد الاعتذارات ما فقدته.
حين غادرت المستشفى، التفتُّ مرة أخرى، كانت لا تزال هناك، والعاملة الى جانبها والهاتف كان صامتاً.
لم أعرف اسمها ولا أبناءها، لكنني عرفت شيئاً واحداً، أن هناك أمّاً في مكان ما ننتظر اتصالا الآن... ربما... ربما هي أمك.