وجهة نظر: الموازنة العامة للدولة من منظور اقتصادي كلي

نشر في 21-04-2026
آخر تحديث 20-04-2026 | 19:41
 د. أحمد الكواز

تعكس الموازنة العامة للدولة، وإلى حد بعيد، هيكل وتوجهات السياسة المالية لأي دولة، باعتبار أن هذه السياسة تمثل أهم السياسات الاقتصادية في الدول النفطية (وغير النفطية أيضاً). ولكون الموازنة، من هذا المنظور، تشكل حلقة الوصل بين السياسة المالية، وبقية قطاعات الاقتصاد الكلي، وما يتضمنه من سياسات أخرى، مثل السياسة النقدية، والتجارية، وسياسة سعر الصرف، وغيرها.

ومن هنا فإن وثيقة الموازنة العامة للدولة، والتي تعرض سنوياً، لتغطي، في حالة دولة الكويت، السنة المالية من أول أبريل من سنة معينة إلى نهاية مارس من السنة القادمة، (لا) يجب أن تركز على الإطار المحاسبي الحكومي Government Accounting، رغم أهميته، بل على الإطار المحاسبي القومي National Accounting، والمعتمد على آخر إصدارات نظام المحاسبة القومية SNA، الصادر من الأمم المتحدة، كل عقد ونصف أو كل عقدين، ليعكس كل العلاقات المتشابكة بين مختلف الأنشطة الاقتصادية، وما يستجد ضمنها من مفاهيم جديدة (انظر مقالة الأستاذ محمد البغلي بصحيفة الجريدة، في 16 أبريل 2026، وما ورد فيها من إشارة لأهمية مرونة المالية العامة).

وبالتالي فإن عرض الموازنة لابد أن يتضمن مؤشرات تربط السياسة المالية، معبراً عنها بالموازنة، ببقية مؤشرات الأداء الاقتصادي الكلي. وعادة ما يتم ضمان هذا الربط، فنياً، من خلال التعاون بين جهة إعداد الموازنة محاسبياً، ووحدة الاقتصاد الكلي والسياسة المالية بوزارات المالية (أشار طيب الذكر وزير المالية الأسبق الدكتور يوسف حمد الإبراهيم إلى أهمية هذه الوحدة ودعمه لها في أثناء توليه حقيبة الوزارة، للفترة 2001 – 2003، كما ورد في كتابه: سيرة في بناء وطن: آمال وتطلعات، صفحة 149. وما زال دور الوحدة بالوزارة غير مفعّل بالمعنى الاقتصادي السائد في تجربة المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، والعديد من الدول الأخرى، رغم العديد من دعوات المنظمات الدولية، والمهتمين إلى أهمية تفعيلها على أسس مهنية).

وغني عن البيان فإن أهم مؤشر يعكس أداء الاقتصاد الكلي، في كل الاقتصادات، هو الناتج المحلي، والقومي، الإجمالي في كل الاقتصادات. وبالعودة إلى بيانات الموازنات العامة للدولة، سواء التقديرية أو الختامية، لا توجد أي إشارة لأداء هذا المفهوم المهم، وربطه بأداء الموازنة (انظر على سبيل المثال موازنة المملكة العربية السعودية لعام 2026، وموازنة مملكة النرويج 2025 - 2026، والتي تعكس المثال المتميز لعرض الموازنة العامة للدولة ضمن الإطار الاقتصادي الكلي وتطوراته المختلفة)، علماً أن ما يرد في البيان المالي (آخر بيان متاح على موقع الوزارة هو للسنة المالية 2025-2026) من معلومات اقتصادية محلية ودولية، ومذيّل بالموازنة العامة التقديرية، يعد بشكل منفصل عن إعداد الموازنة.

ولعل من أهم ما يفتقده عرض الموازنة للدولة، من حيث ربطها بالتطورات الاقتصادية الكلية المحلية والدولية، على سبيل المثال، وليس الحصر، ما يلي: أولاً: أهمية ربط أداء الموازنة بأداء الاقتصاد الكلي، من خلال تطور معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي والناتج القومي الإجمالي (الذي يأخذ صافي التعامل مع العالم الخارجي بنظر الاعتبار) المتوقع خلال السنة المالية التقديرية.

ثانياً: حساب العديد من المؤشرات (الهيكلية Structural) لرصيد الموازنة وبالشكل الذي يربطها بالدورة الاقتصادية السائدة في السنة المالية ذات العلاقة، وذلك لبيان نوعية السياسة المالية التي تعكسها الموازنة: باتجاه الدورة Pro-Cyclical، أو بالاتجاه المعاكس للدورة Counter-Cyclical، وتشير التقديرات، خلال السنوات العشر الماضية، إلى أن معامل الارتباط بين التدخلات المالية المقصودة Discretionary، في مجالي الإنفاق والضرائب، وفجوة الناتج غير النفطي (أي الفارق بين الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي الفعلي والممكن) كان في حدود 0.1-، والذي يشير إلى ضعف السياسة المالية المضادة للدورة الاقتصادية. ومن ضمن هذه المؤشرات الاقتصادية، مثلاً، الرصيد الهيكلي غير النفطي (وهو، وكذلك المالي، في حالة عجز في كل السنوات المالية).

ثالثاً: لعل أحد أهم أدوات السياسة المالية المنبثقة من الموازنة العامة للدولة هو المثبتات الآلية Automatic Stabilizers، والتي تتضمن تحرك الضرائب، والتحويلات، آلياً وبدون الحاجة إلى تشريع، للتكيّف مع الوضع الاقتصادي رواجاً (خفض التحويلات، ورفع الضرائب)، وكساداً (رفح التحويلات، وخفض الضرائب). ولغرض تفعيل مثل هذه الأداة، لابد أن يسبق ذلك إصلاحاً اقتصادياً (حقيقياً) يعيد للضرائب (المباشرة، وبشكل محدد على أرباح الشركات) دورها كأداة سياسة مالية فعّالة، تساهم، ولو في حدود، في خفض العجز غير النفطي. 

رابعاً: قامت وزارة المالية سابقاً، وهي خطوة محل تقدير، بوضع سقوف على الإنفاق الجاري إلا أن هذه الخطوة يجب أن تتصف بالاستدامة (ولا تقتصر على سنوات مالية معينة)، من ناحية، وبالشمول (أي تشمل الإيرادات، والنفقات، ورصيد الموازنة، والدين العام)، من ناحية أخرى، وذلك بهدف تفعيل السياسة المالية المضادة للدورة الاقتصادية (خاصة من خلال الإنفاق الرأسمالي)، والتي نصحت بها العديد من مؤسسات التمويل الدولية، وعدد من الاقتصاديين العاملين بالوزارة سابقاً. 

خامساً: العمل الجاد على إعداد موازنة عامة للدولة متوسطة الأجل، وبالمعنى المهني والسائد في العديد من الدول ذات السياسات المالية المتطورة (بحيث تعتبر الموازنات التقديرية السنوية جزءاً منها)، وذلك خدمة لهدف تحييد آثار التقلبات في الإيرادات النفطية على الموازنة، والاقتصاد الكويتي عموماً، بحدود الممكن، وضمن أهداف أساسية عديدة أخرى.

سادساً: إن الموازنة العامة للدولة، كأداة للسياسة المالية، يجب أن تعمل تحت مظلة جهة مركزية تُعنى بالاقتصاد الكلي، عموماً، ووضع السياسات الاقتصادية المختلفة وتقييم تأثيراتها المتبادلة بشكل خاص، ولا يبدو تلمس وجود مثل هذه المظلة، حالياً، بمعنى المهني وليس المؤسسي فقط.

ختاماً، وبالرغم من الجهد، المحاسبي الحكومي، الضخم، والمشكور، في إعداد الموازنات العامة للدولة، فإن الأبعاد الاقتصادية للموازنة، التي تعكس البعد التنموي الشامل (وليس التوزيعي فقط)، ومن خلال إطار مرن (الموازنة المتوسطة الأجل) يجسد مرونة الموازنة للتكيّف مع تقلبات الدورة الاقتصادية، وتقلبات الوضع الاقتصادي الدولي، وما زال هذا الجهد شبه غائب، ويحتاج لجهد العديد من المتخصصين الماليين والاقتصاديين، للوصول إلى موازنة عامة تؤهل لاستخدام السياسة المالية بشكل كفوء، وضمن إطار اقتصادي كلي. 

 * مستشار اقتصادي

 

back to top