وجهة وطن: غشوك بالزعتر
يُروى أن الشاعر اليمني حسين أبوبكر المحضار كان في رحلة إلى إحدى الدول الخليجية وعند زيارته لأصدقائه قدموا له القهوة العربية المعتادة عند الضيافة.
وبمجرد أن ارتشف المحضار القهوة استنكر طعمها كونها ليست من البن الصافي المعروف في اليمن بالبن اليافعي بل كانت مخلوطة بنكهة أخرى هي الزعتر، ربما لرغبة البائع في الغش بغية الكسب السريع، إلا أن أصدقاءه أكدوا له أن البن صافٍ ولم تخالطه أي نكهة أخرى، مما زاد الخلاف بين الشاعر المحضار وأصدقائه.
وحسماً للخلاف، اتجه الشاعر مع أصدقائه إلى المطحنة التي اشتروا منها القهوة ليؤكدوا له أنها من البن الصافي غير المخلوط بأي نكهة أخرى، وهنا كانت المفاجأة، حيث رأى المحضار أن العلة بوجود البن مع بقية السلع الغذائية الأخرى بجانب الزعتر والهيل والمكسرات والبهارات، مما جعل البن يلتقط من النكهات المحيطة به، وكان الأجدر أن يُعزل عن غيره... وعندها وصف المحضار المشهد شعراً بأبيات غناها لاحقاً الفنان أبوبكر سالم في أغنية «سير وتخبر»، إذ قال:
هـكـذا يلقي بأهله المهجر
آه يـا بُـنـِّي طـعمك اتْغَيَّر
يـالـيافعي غشّوك بالزعتر
مـاكـسبك الّا هَيْل وبَزَار
كن الزمن غـدّار
طبعاً هذه القصة تُروى بصيغ متعددة تختلف فيها بعض التفاصيل ويزيد بعضها أو ينقص كأنها من قصص التراث العربي، كالزير سالم أو أبوزيد الهلالي، إذ قيل إنها حدثت في الكويت، وقيل أيضاً إن الحادثة وقعت في الإمارات، ونقل البعض أن الأصدقاء يمنيون، وفي رواية أخرى أنهم خليجيون، وتنوع زمن توثيق القصة ما بين ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي!
ما يلفت انتباهي في قصة البن والزعتر أن كليهما ينتمي إلى عالم الغذاء، أي أنهما من نعم الله تعالى علينا، إلا أن اختلاطهما أمر سيئ، فالبن لا يصلح مع الزعتر، والعكس صحيح، وهو قياس يذكرنا بالضرر الذي يحدثه خلط الأمور الجيدة بالمشروعة في غير موضعهما، كاختلاط المبادئ والمصالح مثلاً، وكلاهما من المسائل الطبيعية في حياة الإنسان، إلا أن اختلاطهما وتداخلهما يعطيان نتائج أسوأ بكثير من اختلاط البن مع الزعتر والهيل والبزار كما قال المحضار وغنى أبوبكر سالم، رحمهما الله.
ما جعلني أستذكر البن والزعتر هو ما وصلني من كيس قهوة قبل فترة وجيزة وعند أول رشفة منها ذهبت لمراجعة مكوناتها، فإذا هي قهوة بنكهات - وليست نكهة واحدة - التوت والمشمش والكرز، ولك أن تتخيل إذا كان اختلاط البن بالزعتر مُستنكَراً كاختلاط المبادئ بالمصالح، فكيف سيكون الحال عند اختلاطه مع سلطة الفواكه المذكورة أعلاه... الله يحفظنا!