من القوى الناعمة إلى القوى الذكية
لم يعد العالم يُدار اليوم بمنطق السلاح وحده، ولا تُقاس مكانة الدول فقط بعدد الدبابات أو الصواريخ العابرة للقارات. فمع تحوُّلات النظام الدولي، وتبدُّل طبيعة الصراعات، برز مفهوم «القوى الناعمة» بوصفه أداة تأثير لا تقل فاعلية عن القوة العسكرية، ولعله من المناسب أكثر تطويره إلى صيغة أكثر حداثةً وواقعية، ونعني بها «القوى الذكية».
القوى الناعمة، كما صاغها جوزيف ناي، تقوم على الجاذبية بدل الإكراه: الثقافة، القيم، التعليم، الإعلام، الدبلوماسية العامة، ونموذج الحياة. هي القدرة على جعل الآخرين يُريدون ما تُريد، لا لأنك تُجبرهم، بل لأنهم يقتنعون أو ينجذبون. وقد نجحت دول كثيرة في ترسيخ نفوذها العالمي عبر السينما، والجامعات، والمساعدات الإنسانية، وحتى عبر صورة ذهنية إيجابية عن مجتمعها ومؤسساتها.
لكن التجربة العملية المُعاصرة أظهرت أن القوى الناعمة، على أهميتها، لم تعد كافية في عصر التحوُّل الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي منافساً للدهاء البشري، وربما متواطئاً معه، وحيث بدا أن التكنولوجيا تحاول سحق الأيديولوجيا.
الثقافة وحدها لا تكفي لمواجهة خوارزميات التأثير، والسينما لا تستطيع وقف الهجمات السيبرانية، والخطاب الأخلاقي يبدو هشاً أمام قوة الانتشار الفوري للمعلومات عبر الشبكات الاجتماعية. من هنا، يجوز الحديث عن القوى الذكية المُعاصرة: مزيج مدروس من القوة الناعمة والقوة الصلبة، مدعوم بالتحوُّل الرقمي والتواصل الاجتماعي، بحيث تُستخدم الأدوات المناسبة في اللحظة المناسبة، وبالجرعة المناسبة، مع القدرة على التمييز بين الذكاء الاصطناعي ودهاء الإنسان في رسم الاستراتيجيات والتأثير على الرأي العام.
القوى الذكية ليست مجرَّد جمع بين نوعين من القوة، بل هي استراتيجية سيطرة قائمة على قراءة الواقع الرقمي والاجتماعي الجديد، وفهم الخصم، وتحليل البيانات المتدفقة من وسائل التواصل، ثم اختيار الوسيلة الأقل كُلفة والأكثر تأثيراً. قد تبدأ بالثقافة، تدعمها بالدبلوماسية الرقمية، تسندها بالاقتصاد، وتُحاط عند الضرورة بقوة عسكرية رادعة، مع دمج أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز القرار، وليس لاستبدال الفطنة البشرية، واستخدام شبكات التواصل لصناعة الوعي الجماعي والسيطرة عليه. إنها انتقال من منطق «إما/أو» إلى منطق «كيف ومتى وبأي أداة، سواء كانت رقمية، اجتماعية، أو تقليدية».
في هذا الإطار، لم تعد القوة العسكرية الخيار الأول، بل جزءاً من منظومة متكاملة تضم الاقتصاد الرقمي، والإعلام الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت ساحةً حيويةً للتأثير وصناعة الرأي العام، حيث تُخاض المعارك على الوعي بقدر ما تُخاض على الأرض أو على الشبكة. وقد أصبحت الاستفادة من التحوُّل الرقمي ووسائل التواصل شرطاً حاسماً للحفاظ على النفوذ وصناعة التأثير.
بالنسبة للعالم العربي، يطرح الانتقال من القوى الناعمة إلى القوى الذكية الرقمية والاجتماعية سؤالاً جوهرياً: هل نملك رؤية متكاملة للقوة الرقمية والبشرية معاً، أم نكتفي بردود فعل متفرقة؟
لدينا رصيد حضاري وثقافي ضخم، وموقع جغرافي استراتيجي، وموارد بشرية واقتصادية هائلة، لكن تحويل هذه العناصر إلى قوةٍ ذكيةٍ رقمية واجتماعية يتطلَّب مؤسسات حديثة، واستقراراً تشريعياً، واستثماراً في التعليم والمعرفة الرقمية، وربط السياسة بالاقتصاد والفضاء السيبراني ووسائل التواصل الاجتماعي، والخطاب بالفعل، لا بالكلمات فقط.
القوى الذكية، في جوهرها، هي اعتراف بأن العالم لا يُدار بالأخلاق وحدها، ولا بالقوة وحدها، ولا بالتكنولوجيا وحدها، ولا بالإعلام وحده، بل بالحِكمة التي تجمع بين حكمة الإنسان وقدرة الآلة، وتأثيرات الرأي العام.
* كاتب ومستشار قانوني