على الطريق... تطعمهم كرامة يقابلونها شماتة!
في لحظات الشدَّة تنكشف الوجوه على حقيقتها، وتسقط الأقنعة التي طالما توارت خلف شعارات الأُخوة والمصير المشترك. فما شهدناه من حملات إساءة وشماتة تجاه دولة الكويت وبعض دول الخليج العربي ليس مجرَّد رأيٍ عابرٍ أو انفعالٍ لحظيٍ، بل هو مؤشر مقلق على اختلال عميق في مفاهيم الوفاء والذاكرة.
الكويت، كما يعرف القاصي والداني، لم تكن يوماً دولة متقوقعة على ذاتها، بل كانت، ولا تزال، سنداً للأشقاء في أوقات الرخاء قبل الشدة. فتحت أبوابها، واستقبلت العمالة من مختلف الدول العربية، ومنحت الفُرص في مؤسساتها الحكومية والخاصة من دون تمييز، بل إن البعض وجد في الكويت ما لم يجده في بلده، حتى تزاحمت الفُرص أحياناً على حساب أبناء الوطن، الذين أصبحوا ينتظرون الفُرص في ديوان الخدمة المدنية، رغم التوجيهات السامية بضرورة تمكين الشباب الكويتيين، وإحلالهم في مواقع العمل.
ومع ذلك لم تشفع هذه المواقف الإنسانية، ولا تلك السجلات المشرفة، حين رأينا أصواتاً نشازاً تخرج بالشماتة، وتبث السخرية، بل تُظهر الفرح عند تعرُّض الكويت لأي تهديد. هنا لا يمكن تبرير الأمر بحُرية تعبير، أو خلاف سياسي، فالشماتة في الخطر والتشفي في الأذى سقوط أخلاقي، قبل أن يكون انحرافاً إعلامياً. ومما يحزّ في الخاطر أن يكون الوافد الذي يعمل في ديوان الخدمة المدنية هو مَنْ يقرر الموافقة أو الرفض لأي مهمة رسمية يكون ممثل الدولة فيها مواطناً في المنظمات الدولية!
نحن في الإعلام نمتلك القدرة على الرد وكشف الحقائق ووضع النقاط على الحروف، لكن السؤال الأعمق: هل كل إساءة تستحق الرد؟ وهل الانجرار خلف كل صوتٍ ناعق يُضيف قيمةً للمشهد، أم يُكرِّس الفوضى؟
المطلوب اليوم ليس فقط ردوداً إعلامية حادة، بل مراجعة واعية للسياسات التي تضمن التوازن بين الانفتاح وحماية المصلحة الوطنية. تكويت الوظائف لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة استراتيجية، لضمان استقرار الداخل، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته، كما أن إعادة ترتيب الأولويات في العلاقات على أساس الاحترام المتبادل باتت أمراً لا يحتمل التأجيل.
الكويت ستبقى أكبر من الإساءة، وأعمق من الضغينة، وأرسخ من أن تهزها حملات عابرة، غير أن الدرس واضح العطاء، لا ينبغي أن يكون بلا حدود، والذاكرة الوطنية يجب أن تكون يقظة. أما الأصوات التي تعوي، فالتاريخ كفيل بأن يضعها في حجمها الطبيعي من دون أن نثقل كاهلنا بحجارةٍ لا تستحق، وهي رسالة واضحة وصريحة.