الأغلبية الصامتة: عندما يفتي «شحيت»

نشر في 20-04-2026
آخر تحديث 19-04-2026 | 19:31
 إبراهيم المليفي

بعد أن أنهى كل محاضراته الصباحية، يجلس أستاذ العلوم السياسية خريج أكسفورد أو هارفرد، في مكتبه ليأخذ استراحة قصيرة في صياغة أفضل التحليلات لأحداث العالم، ويلخص عصارة أفكاره في سلسلة تغريدات يحاول إثراء النقاش بخصوص حدث ما، وبنفس التوقيت يستيقظ «شحيت» خريج متوسطة «الأمل الباسم» «بعد نوم طويل في» الديوانية، ويفتح هاتفه ويذهب لتطبيق «سالم» ليأخذ إجازة طبية إلكترونية، ثم ينطلق بعدها في ماراثون «التايم لاين»، وفي لعنة تطبيق اكس المسماة «For you»، تظهر أمام شحيت تغريدة أستاذ العلوم السياسية خريج أكسفورد أو هارفرد، ويقرأها بحركة عيون البومة وفهم «ونستون بسمتي» ليرد عليه «اختلف معاك دكتور»!

لقد أحدثت المنصات الرقمية تحولاً جذرياً في مفهوم الرأي العام، حيث انتقل من كونه كتلة صماء يتم تشكيلها من الأعلى إلى الأسفل، إلى حالة ديناميكية تتحرك كالموج الدائم الحركة، ولا يثبت على حال مستقرة لفترة طويلة، وأي مقطع صغير قد يقلب كل الموازين في لحظات، ففي الماضي كان الرأي العام يُصاغ عبر وسائل الإعلام التقليدية (الصحف، التلفاز) وكبار السياسيين والأكاديميين والكتاب وغيرهم، وكان الفرد «متلقياً» فقط، وتزيد تلك الحالة في المجتمعات التي تملك فيها السلطة كل وسائل الإعلام، أما اليوم فبإمكان «شحيت» الرد على أستاذ العلوم السياسية وتقديم المقترحات لمجلس الوزراء في تطبيق «سهل»، مما كسر احتكار المؤسسات الكبرى في عملية تشكيل الوعي.

وإذا كانت عملية صنع إجماع حول قضية من القضايا في الماضي صعبة، فهي اليوم في غاية الصعوبة مع جمهور مجزأ لأفراد يعاني من قصر النفس وسريع النسيان بمجرد ظهور «تريند» جديد، كل فرد فيه يرى نسخة من الحقيقة تناسب أهواءه، مما يجعل الوصول إلى «إجماع وطني أو عالمي» حول قضية ما أمراً في غاية الصعوبة.

لقد تعمق التغير في مفهوم الرأي العام ليتجاوز مفهوم الإجماع إلى مفهوم التفاعل المستمر الذي يتسم بالتعددية والسرعة والقدرة على الحشد العابر للحدود خلال ساعات محدودة، إنه عالم جديد سقطت فيه سلطة الرقيب الذي يحدد ما كان ينشر، فيه ميزة عظيمة لأصحاب القرار لم تتوفر لمن سبقوهم، وهي القدرة على قياس النبض الشعبي في التو واللحظة، ترافقها بنفس الوقت سيول لا تتوقف من الإشاعات والمقاطع المزيفة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في الختام، على أستاذ العلوم السياسية خريج أكسفورد أو هارفرد تحمل نظريات «شحيت» وفتاويه في كيفية خلق عالم أفضل، أو الانسحاب لقاعة المحاضرات وكتابة المقالات، فهذا الزمن يحتاج إلى الكثير من الصبر والترقب حتى يبدأ التشكل والثبات على هيئة يمكن التعامل معها.

 

back to top