البصمة الوراثية والبيومترية... قرارات تستحق الإشادة
قبل أسابيع، كُنت أُراجع وثيقة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية الصادرة عن مؤتمرها الدولي السابع عشر الذي عُقد العام الماضي برعاية سمو ولي العهد. المؤتمر كان مخصصاً بالكامل للبصمة الوراثية، دقتها العلمية، وتطبيقاتها في النسب والطب الشرعي والتشريع الإسلامي. وقتها قُلت في نفسي: متى ستتحوَّل هذه التوصيات إلى قرارات فعلية على أرض الواقع؟
الجواب جاء أسرع مما توقعت.
أصدرت وزارة العدل مرسوماً يُتيح اعتماد البصمة الوراثية في دعاوى النسب وتصحيح الأسماء، ويوحِّد الجهة المختصة بالنظر في هذه الدعاوى، واضعاً إطاراً واضحاً للتعامل مع طلبات إثبات النسب أو نفيه. وأصدرت وزارة الداخلية القرار الوزاري رقم 678 لسنة 2025، الذي يعتمد البصمة الوراثية والبيومترية للتحقق من الجنسية وتحديد الأبوة. قراران في توقيتٍ واحد، يُكمل أحدهما الآخر. هذا ليس تزامناً عابراً، بل يعكس رؤية مدروسة ومتكاملة.
ما الذي تغيَّر فعلاً في قاعة المحكمة؟
قضايا النسب كانت تاريخياً من أصعب القضايا، وأكثرها إيلاماً. أُسر تتمزَّق، وأحكام تصدر بناءً على شهادات متضاربة أو قرائن هشة. اليوم، مع اعتماد البصمة الوراثية رسمياً، تغيَّرت المعادلة. لم يعد القاضي مضطراً للاجتهاد في فراغ، بل بات يملك دليلاً علمياً دقيقاً يحمي الحقوق الوراثية للأبناء، ويُرسِّخ الثقة في المؤسسة القضائية.
تقنيات تحليل DNA وصلت اليوم إلى دقةٍ مذهلة. نسبة الخطأ فيها واحد في المليار. هذا الرقم يستحق أن نتوقف عنده. لنتخيَّل معاً: نقطة دم واحدة مخلّفة في مسرح جريمة يمكن أن تُحدد هوية صاحبها بشبه يقين مُطلق، وقد تكون الدليل الوحيد الذي يقود إلى حُكمٍ بالإعدام، أو على النقيض يُنقذ بريئاً من حبل المشنقة. هذه ليست مبالغة، هذا ما يحدث فعلاً في محاكم العالم. فكيف إذن لا نعتمد هذه التقنية في قضايا النسب التي تمس كرامة الإنسان وهويته وحقوقه الأساسية؟
حين يلتقي المشرط بالميزان
في الطب، قاعدة ذهبية لا يختلف عليها اثنان: لا تتخذ قراراً جراحياً قبل استنفاد كل الأدوات المتاحة للوصول إلى أدق تشخيص ممكن. أنا شخصياً، كجرَّاح، لا أدخل غرفة العمليات إلا بعد أن تكتمل الصورة أمامي من فحوصات ونتائج مخبرية وأدلة سريرية واضحة. الاستثناء الوحيد هو حالات الطوارئ القصوى التي لا تحتمل الانتظار، وحتى فيها يظل الجراح محكوماً بأفضل ما توفر من معطيات، لأن الخطأ في غرفة العمليات يكلف حياة إنسان. والقضاء ليس مختلفاً في جوهره. حُكم يصدر من دون دليلٍ قاطع قد يكلف هو الآخر حياة إنسان، أو على أقل تقدير يكلفه عُمره وكرامته وحقوق أبنائه.
البصمة الوراثية هي «الفحص المخبري» للقضاء. أداة تحوِّل الاجتهاد إلى يقين. وكما أن الطب تقدَّم حين جعل الدليل العلمي أساس القرار، فإن القضاء يتقدَّم اليوم حين يسلك المسار ذاته.
تجارب دول إسلامية ناجحة
ليست الكويت أول مَنْ سلكت هذا الطريق. دول إسلامية عدة سبقت في اعتماد البصمة الوراثية تشريعياً، وجنت ثمارها. الإمارات العربية المتحدة كانت من الأوائل في المنطقة التي أدرجت البصمة الوراثية ضمن منظومتها القانونية والأمنية، وباتت تعتمدها في قضايا الجنسية والطب الشرعي بصورة راسخة. المملكة العربية السعودية بدورها اعتمدتها في قضايا النسب والطب الشرعي، وأسهمت في حسم نزاعات عائلية كانت تستنزف المحاكم لسنوات. وفي جنوب شرق آسيا، طبَّقت ماليزيا هذه التقنية، ضمن إطارٍ قانونيٍ إسلاميٍ صريح، مثبتةً أنه لا تعارض بين الشريعة والعلم الحديث.
هذه التجارب تقول بوضوح إن الكويت لا تخوض تجربة مجهولة، بل تنضم إلى ركب دول أثبتت أن العلم والعدالة وجهان لعملة واحدة.
ماذا يعني هذا للأسرة الكويتية؟
بعيداً عن السياسة والقانون، ما الذي يعنيه هذا القرار لمواطن عادي؟ يعني أن طفلاً لن يُحرم من اسم أبيه بسبب نزاع لا ذنب له فيه. يعني أن وارثاً لن يُظلم لأن المحكمة لم تملك دليلاً كافياً. يعني أن أسرة ممزقة قد تجد في ورقة مختبر ما عجزت عنه سنوات من التقاضي.
النزاعات المتعلقة بالنسب والميراث من أكثر القضايا تدميراً للعلاقات الأسرية، وغالباً ما تمتد لسنوات من دون حسم. القرار الجديد لا يختصر التقاضي فحسب، بل يُغلق الباب أمام كثيرٍ من النزاعات قبل أن تبدأ، ويُعيد للأسرة الكويتية شيئاً ثميناً كثيراً ما افتقدته: اليقين.
وزارة الداخلية: الدقة العلمية في مواجهة التزوير
قرار وزارة الداخلية يعالج بُعداً آخر لا يقل أهمية. فاعتماد البصمة الوراثية والبيومترية في ملفات الجنسية وتحديد الأبوة يعني في جوهره شيئاً واحداً: أن القانون سيُطبَّق بدقة لا تقبل الطعن. التزوير في وثائق النسب والجنسية مشكلة تعانيها دول كثيرة حول العالم، والوسائل التقليدية لم تكن كافية لسد هذا الباب بالكامل. البصمة الوراثية تُغلقه. ليس لأن ثمة اتهاماً لأحد، بل لأن العدالة الحقيقية تقتضي أن تكون الوثيقة الرسمية انعكاساً أميناً للحقيقة البيولوجية، وأن يحصل كل ذي حقٍ على حقه مبنياً على دليل لا على ادعاء.
الشرع لم يكن يوماً عائقاً
ثمة مَنْ يتساءل: هل هذه التقنيات تتوافق مع أحكام الشريعة؟
الوثيقة الختامية لمؤتمر المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أجابت بوضوح: البصمة الوراثية مشروعة في إثبات النسب ونفيه، مع ضوابط صارمة تمنع أي استغلال تجاري أو سياسي للحمض النووي. العلم والشرع ليسا في تعارضٍ هنا، بل يصبَّان في هدفٍ واحد: حماية الإنسان، وصون حقوقه. هذا التوافق بين القرار السياسي والتوصية العلمية والإطار الشرعي نموذج يعكس نضجاً مؤسسياً حقيقياً.
في النهاية
لن أدَّعي أن التطبيق سيكون سهلاً أو خالياً من التحديات. كل قرارٍ كبير يحتاج إلى آليات تنفيذ دقيقة ومتابعة مستمرة، لكن الاتجاه صحيح، والأدوات موثوقة، والإطار القانوني والشرعي داعم. ما أصدرته وزارة العدل ووزارة الداخلية ليس مجرَّد قرارين إداريين، بل خطوة نحو دولة تحمي مواطنها بالعلم، وتُحصِّنه بالقانون.
وهذا، في تقديري، يستحق الإشادة.
*وزير الصحة الأسبق