أحياء... ولكن
نستيقظ كل يوم، ونظن أننا أحياء. نفتح أعيننا ونتابع ما يحدث. نلهث خلف الأخبار، وتفاصيل الحرب، عن الجديد، من انتصر... ومن سقط... وماذا سيحدث بعد ذلك؟
ننغمس في عالم يتبدّل كل لحظة، وكأننا مطالبون بأن نبقى على اطلاع دائم.
لكننا لا ننتبه... أن ما نُكثر النظر إليه فيما حولنا يبدأ بهدوء في تشكيل ما في ذواتنا، فننشغل بما يحدث في العالم، حتى نفقد صلتنا بما يحدث فينا!
جسد يتحرك... وقلب في سبات عميق. وهنا تبدأ حالة... تشبه الحياة، لكنها لا تحمل حقيقتها.
أخطر ما قد يمرّ على الإنسان... أن يظنّ نفسه حياً وهو لم يفق بعد.
لأنهم بالفعل، كما ورد في الأثر: «الناس نيام... فإذا ماتوا انتبهوا»، ويا له من انتباهٍ مرير!
فهي ليست فكرة، بل لحظة خروج النفس من الجسد لا مجال فيها للتدارك! لكن، ما هذا الانتباه؟ ولماذا يكون بهذه القسوة؟
إنه انتباهٌ إلى ما غُفل عنه، إلى عمرٍ مضى ولم يُستثمر كما ينبغي، انتباهٌ متأخر لما كان ينبغي أن يُرى من البداية.
وهنا يضع علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، صورة دقيقة لهذا المسار، فيكشف كيف يبدأ الأمر خفيّاً، ثم يمتد حتى يصبح حالاً يعيشه الإنسان.
(وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّلٍ) فلم يكن علمه عن بصيرة، بل تجميعاً لما لا يثبت، وأخذاً عمّن لا يُهتدى به.
فالبداية مضطربة ومصدرها مختل. وما كان أصلُه كذلك، لا يُنتظر أن تكون نتيجته مستقيمة، ثم لم يقف عند هذا الحد... (وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حِبَالِ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زُورٍ).
ضلالٌ يتزيّن بكلامٍ جميل. ولعلّ السؤال هنا: لماذا يحرص كثيرون على القول أكثر من العمل؟
لأن الكلام أسهل، أما الفعل فيحتاج إلى عمل ومجاهدة. وهنا يتسرّب الغرور، ومن أجمل ما قيل في الباطل، ما نُقل عن الإمام علي كرّم الله وجهه: بأنه غرورٌ خادع. فيبدأ الأمر بكلمة، ثم يتحوّل إلى منهج.
(قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلى أَهْوَائِهِ، يُؤَمِّنُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْـجَرَائِمِ)
فتقع المصيبة: لا يعود يتبع الحق، بل يجعل الحق يتبعه. يُحرّف المعاني لتوافق ما يريد، ويطمئن الناس إلى ما قد يهلكهم.
(يقول: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَفِيهَا وَقَعَ، ويقول: أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ)
يُظهر الحذر، وفي داخله تساهل، ويقف على حافة الخطأ بلسانه وهو غارق فيه بقلبه.
(فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ). قلبٌ فقد إدراكه، لا لأنه أقل، بل لأنه ترك ما مُنح له من عقل وتمييز، وانحدر من مستوى الإدراك إلى مستوى الغريزة.
(لا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ)
وهكذا لا يعود يرى الحق ليتبعه، ولا الباطل ليتجنّبه. يتحرّك دون هداية، ويختار دون بصيرة. حتى يصل إلى حال يكون فيها حاضراً بين الناس وغائباً عن نفسه: (فَذلِكَ مَيِّتُ الأحْيَاءِ)
وفيما يأتي، سنمضي خطوةً أخرى لا لنعرف الطريق فقط، بل لنتعلّم كيف نخرج من هذا السكون، ونعود إلى حياةٍ نكون فيها حقاً من الأحياء.