أوكرانيا والكويت: 33 عامًا من الشراكة المبنية على الثقة والدعم المتبادل والرؤية المشتركة نحو المستقبل
تحيي اليوم أوكرانيا والكويت الذكرى السنوية الـ33 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. خلال تلك الفترة، قطع بلدانا شوطاً كبيراً في تطوير الحوار الثنائي، ما أرسى أساساً متيناً للمزيد من تعزيز الصداقة و التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية.
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1993، شهدت الشراكة الأوكرانية الكويتية نموا و تطورا مبنيين على أساس الاحترام المتبادل والثقة والتطلع المشترك نحو الاستقرار والازدهار. وكانت سفارة الكويت التي افتُتحت في كييف عام 1995، أول بعثة دبلوماسية خليجية في أوكرانيا – الأمر الذي أصبح رمزاً و تعبيراً صريحاً عن النوايا الصادقة و الرغبة المخلصة في بناء علاقات وطيدة بين بلدينا لسنوات طويلة. وفي المقابل، افتتحت أوكرانيا سفارتها في الكويت عام 2003، ما أعطى دفعة جديدة للاتصالات و الروابط الثنائية في شتى المجالات.
يحتل عام 2003 مكانةً خاصة في تاريخ علاقاتنا، حين أرسلت أوكرانيا، بناءً على طلب من حكومة الكويت، وحدةً من القوات المسلحة الأوكرانية للحماية من الإشعاع والأسلحة الكيماوية والبيولوجية. وقد اضطلع الجنود الأوكرانيون بمهمةٍ بالغة الأهمية لحماية الكويتيين من التهديدات المحتملة لاستخدام أسلحة الدمار الشامل.
وتتميز المرحلة الحالية من العلاقات الثنائية بتكثيف الحوار السياسي على أعلى المستويات. ومن المحطات المهمة في هذا الصدد، الاتصالات بين قيادتي البلدين، ولا سيما لقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي، مع سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد، عام 2023 في جدة على هامش القمة العربية. وتواصل أوكرانيا الحفاظ على حوارٍ منتظم وبنّاء مع الكويت مولية أهميةً بالغة لدور الكويت بصفتها شريكا مهما في المنطقة.
وشهدت الفترة الأخيرة اتصالات رفيعة المستوى، شملت محادثات هاتفية بين الرئيس زيلينسكي وسمو ولي عهد الشيخ صباح الخالد، إضافة إلى اتصالات على مستوى وزيري خارجية البلدين.
وكان من أبرز عناصر الحوار زيارة أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني إلى الكويت. وتؤكد هذه الجهود أن التفاعل الثنائي لا يزال نشطاً ويركز على تعزيز التعاون والارتقاء به إلى مستويات أعلى. وتُثمن أوكرانيا كثيرا موقف الكويت الثابت والمبدئي في دعم سيادتها ووحدة أراضيها. وقد أكدت الكويت مراراً هذا الموقف في العديد من المحافل الدولية. ويكتسب هذا الدعم أهمية بالغة في ظل العدوان الشامل المستمر على أوكرانيا.
لا تقل أهميةً مساهمة الكويت في تقديم المساعدات الإنسانية لأوكرانيا. فمنذ الأيام الأولى للحرب الشاملة، انضمت الكويت إلى الجهود الدولية لدعم الشعب الأوكراني. وتُعدّ المساعدات المقدمة عبر المنظمات الدولية، وتوفير الشحنات الإنسانية، وتزويد قطاع الطاقة بالمعدات اللازمة، مظاهر حقيقية للتضامن والإنسانية، وهما القيمتان و المبدآن اللذان لطالما اتّبعتهما الكويت في سياستها الخارجية.
كما يتضمن تاريخ التعاون بين بلدينا أمثلةً بارزةً على التآزر في مجال التنمية الدولية. وعلى وجه الخصوص، كانت الكويت أول دولة عربية تُساهم في مشروع "المأوى" لمحطة تشيرنوبيل للطاقة النووية، مُظهرةً بذلك استعدادها لدعم أوكرانيا في مواجهة التحديات العالمية.
يتمتع البُعد الاقتصادي للعلاقات الثنائية بإمكانات كبيرة نحو المزيد من التطوير. فرغم الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب، أظهر حجم التبادل التجاري بين أوكرانيا والكويت في الفترة 2024-2025 إمكانية استئناف التفاعل الاقتصادي.
ومع ذلك، لا تزال هناك إمكانات كبيرة غير مُستغلة نسعى جاهدين لتحقيقها. وتهتم أوكرانيا بتوسيع صادراتها الزراعية، وتطوير مشاريع مشتركة في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والبنية التحتية والتقنيات الرقمية.
قد يُمثل انخراط الكويت في إعادة إعمار أوكرانيا اتجاهاً واعداً للغاية. فبالنظر إلى الإمكانات الاستثمارية الكبيرة والخبرة الواسعة في تنفيذ المشاريع الدولية، يُمكن للشركاء الكويتيين أن يضطلعوا بدورٍ مهم في إعادة بناء البنية التحتية الأوكرانية، وقطاعات الطاقة والطب والتعليم. في المقابل، ستُهيئ أوكرانيا كافة الظروف اللازمة لجذب الاستثمارات الأجنبية، مع ضمان شفافية وموثوقية الآليات ذات الصلة.
ويظل التعاون الإنساني والتعليمي مجالاً مهماً للتعاون حيث تُعرب أوكرانيا عن امتنانها للكويت لتقديمها منحاً دراسية للطلاب الأوكرانيين ودعمها للتبادل الأكاديمي. ونسعى إلى توسيع نطاق هذه العلاقات، وتعزيز الروابط بين شعبينا.
تولي أوكرانيا اهتماماً خاصاً لتطوير الشراكة مع دول الخليج في سياق إقليمي أوسع. وأتاح توقيع خطة العمل المشتركة للحوار الاستراتيجي بين أوكرانيا ومجلس التعاون للفترة 2025-2030، خلال الرئاسة الكويتية لمجلس التعاون، فرصاً جديدة للتفاعل المنهجي في مجالات رئيسية.
اليوم، تواجه أوكرانيا والكويت تحديات جديدة، ولكنها في الوقت نفسه تُتيح فرصاً جديدة. ويجمع بلدينا فهم مشترك لأهمية احترام القانون الدولي، والحفاظ على السلام، وضمان الاستقرار.
نحن مقتنعون بأن تعميق الشراكة الأوكرانية الكويتية سيلبي مصالح الشعبين ويسهم في تعزيز الأمن على المستويين الإقليمي والعالمي.
أودّ أن أشير بإيجابية بالغة إلى نتائج الاجتماع الـ29 للمجلس المشترك بين آلية الإصلاح والاستجابة الأمنية والدفاعية للاتحاد الأوروبي، الذي عُقد في أكتوبر 2025 في الكويت، والذي أكّد، من بين أمور أخرى، الاستعداد لمواصلة دعم أوكرانيا، ودان تصاعد وتيرة الهجمات على المدنيين، فضلاً عن تدمير البنية التحتية الحيوية والتهديدات التي تواجه المنشآت النووية في أوكرانيا.
واليوم، وفي ظلّ الأزمة الراهنة في منطقة الخليج، تُعرب أوكرانيا عن تضامنها الكامل مع قيادة وشعب الكويت. وتُشيد أوكرانيا بالحكمة والاتزان اللذين تعاملت بهما القيادة الكويتية العليا مع العدوان الخارجي الآثم. وقد أصبح هذا النهج مفتاحاً للاستقرار والدفاع الناجح عن المصالح الوطنية الكويتية. وتُبدي أوكرانيا انفتاحها على توسيع التعاون مع دولة الكويت في القطاع الأمني، آخذةً في الاعتبار الخبرة العملية القائمة في مواجهة التحديات المعاصرة، ولا سيما في مجال الحماية من تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ، والأمن السيبراني. ويمكن أن يتطوّر هذا التعاون على شكل التبادل بالخبرات، واجراء المشاورات، وتنفيذ مبادرات مشتركة تُلبّي مصالح الدولتين.
وقد أظهرت الحرب في الشرق الأوسط دور أوكرانيا كمساهم في الأمن. تؤكد أوكرانيا على أعلى المستويات استعدادها لدعم شركائها في منطقة الخليج، ولا سيما في مواجهة التهديدات المعاصرة. وكما أكد الرئيس زيلينسكي، "أوكرانيا مستعدة لمساعدة الشركاء الذين يدعموننا".
وفي هذا السياق، يمكن للطرفين النظر في إمكانية إبرام اتفاقيات إطارية ذات صلة، من شأنها أن تسهم في ترسيخ الحوار وتكوين أساس طويل الأمد لشراكة متبادلة المنفعة في المجال الأمني.
ويأمل الجانب الأوكراني في استئناف نشاط سفارة دولة الكويت في كييف في أقرب وقت. و اليوم، هناك أكثر من 60 بعثة دبلوماسية أجنبية تعمل بكامل طاقتها في العاصمة الأوكرانية.
وأنا على ثقة أنه وبفضل القيادة الحكيمة لقادة بلدينا، ستتمكن كل من أوكرانيا والكويت من الاستفادة الكاملة من الفرص والإمكانات التي تتيحها العلاقات بين بلدينا في المستقبل القريب لتعزيز الحوار والصداقة والتعاون بين بلدينا.
ولمناسبة الذكرى الـ 33 على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين أوكرانيا و الكويت، أود أن أعرب عن خالص امتناني لقيادة وشعب دولة الكويت على دعمهم الوثيق و مودتهم المخلصة النابعة من القلب، حيث وتؤكد أوكرانيا التزامها بتطوير التعاون المثمر للطرفين، وتنظر إلى مستقبل علاقاتنا الثنائية بكل ثقة و تفاؤل.
بقلم السفير الأوكراني في الكويت مكسيم صبح