وجهة نظر: نهاية النموذج القديم... لماذا يجب على الشركات العائلية في الخليج الانتقال من التوزيع إلى الملكية؟
قامت الشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي على ركائز النفط والعقار ووكالات العلامات التجارية العالمية، لكنها اليوم تواجه تحوّلاً هيكلياً عميقاً، مع انتقال مركز القيمة من التوزيع إلى الملكية في عالم أكثر تنافساً وتقلّباً.
وبحكم خبرتي التي تمتد لأكثر من عقدين في تقديم الاستشارات للشركات العائلية بالخليج، أتيحت لي فرصة الاطلاع المباشر على كيفية عمل هذه الكيانات ونموها واتخاذها للقرارات. هذه الرؤية لا تستند إلى نظريات أو مراقبة من بعيد، بل إلى عمل ميداني مع عائلات تواجه تحديات التوسع، والخلافة، وتزايد عدم اليقين.
ما يتضح اليوم ليس مجرد توقّع، بل واقع: النموذج الذي بنى نجاح الشركات العائلية الخليجية خلال الخمسين عاماً الماضية لم يعد كافياً لضمان استمراريتها في الخمسين عاماً المقبلة.
العمود الفقري للاقتصاد
على مدى أكثر من نصف قرن، ارتكز النموذج الاقتصادي في الخليج على ركيزتين أساسيتين: النفط والشركات العائلية. فقد موّل النفط عملية التحول الكبرى في المنطقة، بينما تولّت الشركات العائلية توظيف رأس المال هذا، فبنت المدن، وخلقت فرص العمل، ورسّخت دعائم القطاع الخاص.
اليوم، تهيمن الشركات العائلية على اقتصاد الخليج، إذ تمثل نحو 90 بالمئة من إجمالي الشركات في أسواق رئيسية مثل الإمارات والسعودية، وتساهم بحوالي 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتوظف أكثر من 80 بالمئة من القوى العاملة في القطاع الخاص. هذه ليست مجرد أرقام، بل تعكس اعتماداً هيكلياً عميقاً.
وهذا الاعتماد يحمل في طياته مخاطر صامتة، لكنها جوهرية.
إرث بُني للاستقرار
نشأت الشركات العائلية الخليجية في بيئة اتسمت بالنمو السريع، وضعف المنافسة، وسهولة الوصول إلى الفرص. كانت العلامات التجارية العالمية بحاجة إلى شركاء محليين، والأسواق كانت غير مشبعة، وهوامش الربح مرتفعة.
ومن هنا تبلور نموذج عمل بسيط وفعّال: امتلاك العقارات، والدخول في مشاريع البناء والبنية التحتية، والحصول على حقوق التوزيع والامتيازات التجارية لعلامات عالمية.
هذا المزيج خلق ثروة مستقرة ومتوقعة، ولا تزال كثير من هذه الأصول تدر دخلاً حتى اليوم.
لكن الاستقرار، مع مرور الوقت، تحوّل إلى نوع من الجمود، فعوائد العقارات بدأت تتراجع مع نضوج الأسواق، وقطاع البناء يواجه منافسة متزايدة من شركات عالمية أكثر كفاءة. أما نموذج التوزيع والامتياز التجاري، الذي شكّل حجر الأساس للعديد من الشركات العائلية، فقد بدأ يفقد ميزته الاستراتيجية.
لم تعد العلامات التجارية العالمية تعتمد على الوسطاء المحليين كما في السابق. فقد غيّرت المنصات الرقمية والتجارة الإلكترونية ونماذج البيع المباشر للمستهلك قواعد اللعبة، وأعادت السيطرة إلى مالكي العلامات، مع تضييق هوامش الربح.
وما كان سبباً في النجاح، بات اليوم عائقاً أمام النمو.
الضغوط لم تعد خارجية فقط
غالباً ما تُنسب التحديات التي تواجه الشركات العائلية إلى عوامل خارجية: المنافسة العالمية، والتطور التكنولوجي، والتقلبات الجيوسياسية. وكلها عوامل حقيقية. لكن التجربة تُظهر أن المخاطر الأهم غالباً ما تكون داخلية.
فكثير من هذه الشركات تبدو قوية مالياً، لكنها تعاني تشتتاً استراتيجياً داخلياً، إذ تختلف الأجيال داخل العائلة حول تقييم المخاطر، وتوزيع رأس المال، وتوجهات المستقبل. هذه الخلافات لا تظهر للعلن، لكنها تؤثر في كل قرار مصيري.
وفي وقت يصبح فيه وضوح الرؤية أمراً حاسماً، يتحول غياب التوافق إلى نقطة ضعف بنيوية.
ومع تسارع التغيرات العالمية، حيث تنمو الشركات الناشئة بسرعة، ويتحرك رأس المال بحريّة أكبر، وتزداد التقلبات السياسية، تتضاعف الضغوط.
وقد أدركت حكومات الخليج هذا التحول، وسارعت إلى تسريع الانتقال نحو اقتصادات ما بعد النفط. لكن هذا التحول لن ينجح من دون تغيير موازٍ في القطاع الخاص.
منعطف الأجيال
يتزامن هذا التحول مع انتقال القيادة إلى جيل جديد، فالجيل المقبل يرث شركات بُنيت في زمن التوسع، لكنه مطالب بإدارتها في زمن الاضطراب. والتحدي الذي يواجهه مختلف جذرياً.
الجيل السابق بنى الثروة عبر اقتناص الفرص، أما الجيل الجديد فعليه حماية هذه الثروة وتنميتها في بيئة غير مستقرة. وهذا ليس امتداداً للماضي، بل إعادة ضبط كاملة تطرح سؤالاً جوهرياً: ما نوع الشركات القادرة على البقاء والازدهار خلال الخمسين أو المئة عام المقبلة من مشغّلين إلى مالكين؟، الإجابة تكمن في فهم موقع القيمة.
على مدى عقود، تميّزت الشركات العائلية الخليجية كمشغّلين، إذ تقوم بتوزيع المنتجات، وتدير الامتيازات، وتوسّع الأصول المادية. لكن سلاسل القيمة العالمية تغيّرت، ولم تعد أعلى العوائد تتحقق في مرحلة التوزيع، بل أصبحت تتركز في مرحلة الملكية.
في قطاع السيارات، تنتقل القيمة من الوكالات إلى منظومات التنقل الكهربائي والبرمجيات والبنية التحتية. وفي التكنولوجيا، تراجعت هوامش التوزيع، بينما تتصدر المنصات والخدمات القابلة للتوسع عملية خلق القيمة. وفي القطاعات الاستهلاكية، من القهوة إلى الأزياء، الفارق واضح: إدارة امتياز تجاري تولّد دخلاً، لكنّ امتلاك العلامة أو الاستثمار فيها يخلق قيمة مستدامة.
وفي تجارب عديدة، استثمرت عائلات رؤوس أموال كبيرة لتوسيع شبكات الامتياز، لتكتشف لاحقاً أنها بنت حجماً دون أن تبني ملكية. في المقابل، كان بإمكان استثمارات أصغر، وفي توقيت مناسب، في علامات أو منصات ناشئة، أن تحقق قيمة أكبر بكثير على المدى الطويل.
هنا يكمن التحول الأساسي: فالجيل الأول بنى الثروة عبر الوصول إلى العلامات العالمية، أما الجيل الجديد فسيبنيها عبر امتلاك ما يسعى الآخرون للوصول إليه.
فرص عالمية وحواجز أقل
في الوقت نفسه، تراجعت الحواجز أمام الاستثمار العالمي بشكل كبير. فما كان يتطلب سابقاً حجماً كبيراً وتعقيدات هيكلية، أصبح اليوم متاحاً عبر منصات رأس المال الجريء، وصناديق الملكية الخاصة، وشبكات الصفقات العالمية. وهذا يغيّر المعادلة الاستراتيجية بالكامل.
فبدلاً من توجيه رؤوس أموال ضخمة لتوسيع الأعمال التقليدية، يمكن للشركات العائلية المشاركة في قصص نمو عالمية، غالباً في مراحل مبكرة، وبعوائد أعلى ومرونة أكبر.
وبالتالي، لم تعد الفرص محصورة بالجغرافيا، بل باتت مرتبطة بزاوية النظر.
الضرورة الاستراتيجية
المسار المقبل لا يتمثل في التنويع فقط، بل في إعادة توزيع رأس المال. وهذا يعني التحرر من الاعتماد على نماذج التوزيع التقليدية، والتركيز على امتلاك العلامات والمنصات والملكية الفكرية، والتوسع خارج الأسواق الإقليمية نحو الفرص العالمية، وبناء هياكل حوكمة قادرة على إدارة محافظ استثمارية أكثر تعقيداً. لكن الأهم من ذلك، هو إعادة تعريف مفهوم الإرث. فالجيل الأول بنى أصولاً استمرت لعقود، أما الجيل الجديد فعليه بناء أنظمة قادرة على الاستمرار لقرن.
لحظة حاسمة
تقف الشركات العائلية في الخليج اليوم أمام لحظة اقتصادية مفصلية. ومع تسارع جهود الحكومات للانتقال إلى اقتصادات ما بعد النفط، تصبح هذه الشركات لاعباً حاسماً في نجاح هذا التحول أو تعثّره.
ومن خلال العمل عن قرب مع هذه الكيانات، يتضح أن الفارق بين من ينجح ومن يتأخر لا يكمن في رأس المال أو الفرص، بل في وضوح الرؤية والاستعداد لاتخاذ القرار في الوقت المناسب.
ومن هنا يبدو الخيار واضحاً: إما الاستمرار في تحسين نماذج تنتمي إلى زمن مضى، أو التحول إلى مستثمرين عالميين ومالكين وصنّاع قيمة. والمستقبل لن يكافئ من يدير الماضي، بل من يبني القادم.
* الرئيس التنفيذي لشركة دو كابيتال في سي، ومحاضر زائر في ريادة الأعمال، ومؤسس الغرفة الإسلامية العالمية للتجارة والصناعة عبر الإنترنت. وهو أيضاً متحدث عالمي في مجالات الاستراتيجية وتطوير الشركات الناشئة، ويُعرف برؤاه في الاقتصاد وبناء منظومات أعمال مبتكرة، وأخلاقية، وقابلة للتطوير.