حين تُهَزّ الأوطان في عشر دقائق
عشر دقائق فقط... كانت كفيلة بأن تُهَزّ بيروت، ويُرتجف معها لبنان، ويصحو العالم — ولو لبرهة — على صوت الألم.
غارات لا تحتاج إلى مبررات حقيقية، بل إلى «ذريعة” تُفصَّل على مقاس اللحظة. ذريعة يُعيد العدو إنتاجها كلما أراد أن يتوغّل أكثر، أن يُربك أكثر، أن يزرع فوضى أكبر في أرضٍ أنهكتها الحروب، ولم تُمنح يوماً فرصة لالتقاط أنفاسها. لم تعد المسألة حادثة معزولة، ولا رداً عابراً... بل مشهد يتكرر، تتغير فيه العناوين، بينما يبقى الهدف واحداً: إبقاء المنطقة في حالة اضطراب دائم.
وكأن العالم يُساق، مرةً أخرى، نحو حربٍ لا يُفهم توقيتها بقدر ما تُفهم دوافع صرف الأنظار. ففي اللحظة التي تتكشف فيها فضائح، وتُفتح ملفات، ويبدأ الضوء بالاقتراب من حقائق مزعجة... تشتعل الجبهات. تُعاد صياغة الأولويات وتُدفع الشعوب دفعًا للانشغال بنيرانٍ أقرب، وأشد، وأكثر إلحاحًا.
الطاقة... النفط... مضيق هرمز... فصائل وميليشيات كانت ساكنة، أو تكاد... فإذا بها تُستدعى فجأة إلى المشهد، وكأن أحداً قرر أن يُوقظها جميعاً دفعة واحدة، لا ليحلّ عقدها، بل ليُعقّدها أكثر.
أميركا وإسرائيل... كأنهما خيطا حياكة في يد واحدة، كلٌّ يسند الآخر، وكلٌّ يُكمل نسج الفوضى بخيوطٍ متداخلة، حتى يصعب فكّها أو تتبّع بداياتها.
وبين هذا وذاك...نحن شعوبٌ لم تختر أن تكون في قلب هذا الصراع، لكنها وُضِعت فيه جغرافيا تُحمَّل فوق طاقتها. وجيرانٌ تاهت بوصلتهم، فاختلطت عليهم المعارك، فبدل أن يُصوّبوا أهدافهم، جعلوا من محيطهم ساحةً مفتوحة ومنّا — دون قصد أو بقصد — طُعمًا في لعبة أكبر وهنا تكمن المأساة الأعمق...
أن العدو لا يكتفي بما يفعل، بل يجد في هذا التشتت فرصةً إضافية، شماتةً تتسع، وتوغلاً يزداد، وصمتاً دولياً يُفسَّر دوماً كضوءٍ أخضر للاستمرار.
لم يعد السؤال: لماذا يحدث هذا؟ بل: إلى متى سنبقى في دائرة الفعل وردّ الفعل؟ إلى متى سنُستَخدم في معارك لا نرسم نحن ملامحها؟ ما يحدث ليس مجرد صراعٍ عسكري... بل إعادة تشكيل للمنطقة، ببطءٍ مدروس، وبفوضى محسوبة.
وفي خضم كل ذلك، تبقى الحقيقة الأبسط — والأقسى:
أن الضحايا دائماً هم الأبرياء... وأن الأوطان لا تحتاج سوى عشر دقائق... لتنزف سنوات... وأننا لسنا سوى دمى تتحرك على خشبة مسرح ينسج خيوطها كبار المخرجين!