حفلة على شرف إبليس
في بلادٍ بعيدة مترامية الأطراف، كثيرة العمارة، متناهية بالحُسن والنضارة، يخترق أراضيها نهرٌ عظيم متعرِّج، تتكاثر على ضفتَيه المدن والقرى العامرة بالسكان، ويحيا في كنفه الزرع والضرع الكثير، حيث الماء العذب الوفير... هناك كان يعيش والٍ عظيم ذو خطرٍ جسيم، اشتهر بقوة بأسه في إدارة شؤون تلك البلاد، الأمر الذي جعل أعداءه المتربصين يُدبِّرون له المكائد، للتخلص منه، مما حمله على خوض المعارك لردعهم، فتارةً ينفذ فيهم التهديد والوعيد، وتارةً أخرى يُكثر فيهم القتل والتشريد، حتى مل وزهق. فبعد كل التحام كان اللئام يُرتبون الصفوف، ويعودون لتنغيص عيشه، فأطال في أمرهم التفكير، واحتار فيما يليق بهم من سوء المنقلب والمصير، حتى هتف به هاتف.
فجمع ذات ليلة ثلاثة من رجاله المُخلصين، ليُطلعهم على سِره الدفين، وهو العزم على التخلُّص من أعداء الدنيا والدِّين. وبالفعل، اتفق هؤلاء النفر على الزمان والمكان بالتحديد، ودخلت حيلة الوالي حيِّز التنفيذ.
فلما أصبح الصباح أُصدرت الأوامر بإرسال دعوات خاصة إلى وجهاء وأعيان البلد، والذين منهم بكل تأكيد الأعداء الأشقياء المناكيد، لحضور حفل توديع جيش السلطان، الذي يقوده أحد أبناء الوالي. وفعلاً، جاء اليوم الموعود، ولبَّى المدعوون النداء، فحضروا على ظهور خيولهم إلى القلعة وهم بكامل شياكتهم يستقبلهم الوالي بسنِّه الضاحك، وعلى صدى أمره المُطاع دقت الطبول والمعازف، وأُقيمت الولائم، وعمَّت الأفراح، إيذاناً ببدء الاحتفال.
بعدها راح الجيش المُحتفى به يتأهَّب للرحيل، فتبعه على الفور المئات من الضيوف الكِرام، الذين خرجوا لتشييع الموكب الجليل. وما إن عبر العسكر بوابة القلعة، خارجين منها، حتى تم على الفور إغلاق الباب، فوجد الضيوف أنفسهم مُحاصرين في ممر عالي الأسوار، لتبدأ بعدئذ من الأعلى والخلف حفلة إطلاق النار، وسط صراخ وعويل لم يهدأ إلا بعد هبوط الليل، حيث ساد الصمت أخيراً أرجاء القلعة. حينها خرج الوالي مُعتلياً هذا المشهد الرهيب، الذي امتلأ بالجثث المتكومة والخيول النافقة الغارقة في حمامٍ وافرٍ من الدم غطَّى أرجاء الممر. وعلى رائحة هذا النهر الأحمر أطلَّ من وراء الوالي عريف الحفل وسيِّد الموقف، إبليس. أطلَّ من بين الظلام بهدوءٍ مريب، وابتسامةٍ عريضةٍ باردة، ناظراً إلى قفا الوالي، مُتعجباً في قرارة نفسه من دقة التدبير وبراعة هذا التفكير.
لم تكن هذه الواقعة من محض الخيال، بل كانت ومازالت عِبرةً تُردَّد وتُقال، منفذها هو والي مصر محمد علي باشا، وضحاياها هم أمراء المماليك، ضيوف الوالي، الذين سجَّل باسمهم التاريخ واحدة من أشرس عمليات التصفية السياسية في العالم، ألا وهي «مذبحة القلعة».